الجمعة، 6 يونيو 2025

بخة عطر على معطفي

 

بخة عطر على معطفي

عبد العزيز قريش

الإهداء

(إلى من تسكن عطري، وتترك في أنفاسي خريطة الوطن، وفي قلبي شرفات الرجاء ...)

حبيبتي؛

أعشقك وطنا لذكرياتي،

شرفات في حياتي،

سواقي في عروقي،

بخة عطر على معطفي،

حرفا من اسمي،

قصيدة في دفاتري،

مرفأ مشاعري،

مراكب أفكاري،

مدافن أشعاري،

ما كتبتها طيلة أيامي.

 

أنت في نظراتي،

في عبراتي،

في أحلامي،

في أسفاري،

في صمتي حين يتلاشى كلامي.

 

حبيبتي؛

كل الشوارع والمدن تعرفني،

تهجرني،

حين غاب طيفك في رداد الضباب،

مع زخات المطر الذابلة،

خطوات على الإسفلت،

سيولا من عشقي،

بقايا أنثى تراني،

في كل المقل،

في الوجوه العابرة،

في ارتجاف الضوء على الزجاج.

 

ما عاد الربيع يزهر في شرفاتي،

مذ تكسر في الهواء عطرك الأخير،

صدى يعيش في ذاتي ...

 

فاس في:06/06/2025

الخميس، 5 يونيو 2025

بداية لا نهاية

 

بداية لا نهاية

عبد العزيز قريش

هكذا هي بداية مشواري عن وعي؛ لقاء من غير ميعاد، ونظرة خاطفة كومضة البرق، وإشراقة عابرة كسحاب الصيف، في مقام ما اعتقدت يوما به، ولا أحببته، ولا أعجبت به، فطالما كنت أجافيه وأعاديه، وأتجنب لقياه؛ فرغم حقيقته ووجوده رغما عني، كنت أنكره وأكره التحدث فيه وإليه، وأتعالى عليه لاعتقادي بأنه يسبب الجروح والشروخ والآلام. كثيرا ما انزويت عنه وحدي في عالم الطبيعة، أرقد بين جمالياتها، أتغزل بقدرة الله في هذا الخلق البديع، أجلل روحي بمحاسنها وصنعها، ومفاتن مناظرها وغرائب مخلوقاتها وانسجام قوانينها، تؤانسني وأنا أقرأ القصص البوليسية، ومغامرات المستكشفين، وحروب القراصنة وقطاع الطرق، وبؤس الفقراء وبذخ الأغنياء، وبكائيات العاشقين وشعر المخبولين والمجانين، وتزلف المتملقين الطامعين، و أستكشف كتابات وأوراق المنفلوطي وجبران خليل جبران، وسلامة موسى، وعبد الكريم غلاب، وعلال الفاسي، ومحمد شكري، وعبد المجيد بن جلون، وفيكتور ماري هوغو Victor Marie Hugo، وألبير كامو Albert Camus، و موريس لوبلان Maurice Leblanc، أو شيوعية كارل ماركس Karl Marx … في عالم كتبي على قلة عددها، أو أنغمس في طموحاتي. تلك التي تكسرت صورها على صخور الظروف القاسية التي عشتها؛ العامل الأساس في فقدي كل الورود والأزهار التي غرستها على جنبات طريق مستقبلي، وفي تربة حدائق أوطاري وآمالي، وزينت بها سجاد أحلام حياتي. كما ذبلت ياسمين مزهريتي على سطح أقداري، تلك التي كان الشباب في عمري يهدونها لعالم الحب، وأهديتها أنا متجففة ضمرة لأحزاني ومتاعبي ومصاعبي في غياهب بلادي وذاتي. غير أن الأيام، كذلك، فتحت لي باب التراسل والتعرف على الآخر رديفي أو مخالفي جنسا، لطفا منها؛ عندما بدأت أولى خطواتي في الكتابة بعد ردح من زمن للقراءة والتكوين والدراسة والبحث الأكاديمي؛ حينها تعرفت على اثنتين كلاهما من غير بلدي وديانتي، عقدت العزم على زيارة إحداهما؛ الأولى تعارفا، في البلد القريب من بلدي عبر عبور أمواج بيض زبدها، رطب وبارد رذاذها، منعش هواؤها، مزهوة نوارسها. كنت أعرفها من صورتها التي أرسلتها لي وهي تعرفني من صورتي التي أرسلتها لها ملفوفة ببطاقة سياحية، رسمت آلة التصوير في زمنه كل ملامح مدينتي عليها، مدينة تشبه العديد من مدن بلدها لأن أجدادي استوطنوا يوما ما بقاعها الرائعة مناظرها ومساحاتها الشاسعة، والرقيقة الفاتنة شقرتها. وشيدوا حضارة عظيمة مازالت مآثرها قائمة تحكي للتاريخ، والساكنة والبحوث الجامعية حكاية الفردوس المفقود، الضائع بين الألواح والسطور المهمومة والقلوب المفجوعة. يوم أحرقوا سفنهم، واستلوا سيوفهم؛ ويا ليتهم لم يفعلوا، لأنهم احترقوا بنار رمادها أضعافا مضاعفة، حين وهنوا واستكانوا فانهاروا، فكان أحفادهم حطبا ووقودا لنيران محاكم التفتيش، الكثير منهم أُحرقوا أحياء، وآخرون تعذبوا بمسامير وسكاكين ومقاصل الحاقدين المتعصبين، وآخرون غيروا كل الأسماء والصفات والدفاتر والمعتقدات خوفا من الحرق ولهيب النيران والدفن أحياء، ومنهم من أدخلوا مرغمين عنوة إلى مسالخ الأولياء والتقاة لسماع ترنيمة الآهات … لم أكن يومها حاضرا، إذ؛ لكنت نصحتهم بالعدول عن ذلك والإحجام عنه، لأن الإيمان الديني بالواحد الديان، بالحب أقوى من الإيمان بالسيف والخوف، وأبقى في القلب، وأطول في العمر، وأدوم في الأجيال، وألذ في المذاق، وأطيب في الممارسة. هكذا تعلمت عن ألسنة أكبر شيوخ وأيمة وفقهاء وعلماء مدينتي، حاضرة العلم والمعرفة في بلادي، التي ما عادت تشبه نفسها، ولا فضاءاتها تفصح عن علمها، ولا عن علمائها ولا أدبها، وإنما تشكو فضاءات تسممت بروائح المخدرات ودخان السجائر الكريهة وأخبار الجرائم المتنقلة والمتسلسلة، وروائح المأكولات السريعة المختلفة، المنبعثة من عربات الباعة المتجولين، وسفاهة خطابات السكان الجدد السخيفة، المبتذلة الهجينة في الشوارع والأسواق، في المقاهي والدور والأزقة الضيقة، في الأفراح والأحزان. تعج بالأيادي الممدودة المبسوطة والكثيرة تستجدي الصدقة والشفقة، تشكو الحرمان، وكأن الحياة في مدينتي توقفت عجلتها الاقتصادية، وكأنما لم يعد أحد يجد شغلا ولو بسيطا، كأن السياسة قد أنشأت فيها مواجع الفقر والقهر، وسرادقات اليتم والموت، بدل مواطن الشغل. مآسي تعيشها مدينتي الغالية التي ما عادت جميلة اليوم ولا فاتنة؛ أبكي على الدوام حسرة عليها، وأتألم وأتوجع مثلما يتوجع يتيم عن أمه، كلما تذكرت أزقتها وسواقيها وجنانها وبساتينها وخيراتها، ومكتباتها ومدارسها العتيقة وكتاتيبها القديمة وحدائقها الغناء الآخذة بالألباب، ونهر جواهرها المكنونة في تربتها، وقد جف وأضحى مصبا للمياه العادمة، منبتا للأعشاب الضارة والطفيليات القاتلة، ومستنقعا للفضلات، وموطنا للحشرات على مختلف أجناسها.

مدينتي التي تحاول أن تنتعش بأكسجين الدعاية السياحية، لتستجلب سياحا وباحثين في تراثها، ذاك المعرض للاختفاء والضياع والنسيان. الذي عجزنا عن الاستفادة منه، ولا أن ننعتق من سطوة التبجح بماضيه، والماضي قد مضى، وهو فعل ناقص، غير مكتمل الاستمرار في الحاضر ولا المستقبل. مدينة أفقدتها البدْونة كل قيمها الجميلة، وتقاليدها الرائعة العريقة، ولغتها الشفيفة الرقيقة والمتميزة بوقع رنتها الخاصة التي يعرفها الوطن كله، بدونة أفقدتها كل جمالها، وألبستها زيا بألوان متنافرة متضاربة باهتة وحزينة، ينفر منها الذوق الجميل والإحساس الرهيف… ذلك باسم هجرة التراثيات الشعبية وروافد الثقافات المتعددة التي تتصارع فيما بينها إثنيات، على السبق السياسي والاقتصادي لا العلمي والثقافي والحضاري والقيمي والإنساني. لا تعرف للانصهار مفهوما، ولا للتعايش السلمي طريقا!؟ هي عبارة عن غابة متوحشة يفترس القوي فيها الضعيف.

تلك هي مدينتي في الحاضر والتي مازلت أعشقها رغم تلك المآسي والأحزان، فمهما بعدت عنها إلا ورجعت إليها، فيها إقامتي وسكني وسكوني. هي التي قادتني ذات يوم إلى الالتحاق بإحدى جمعياتها المدنية للتنشيط الثقافي والفني صحبة مجموعة من الشباب والشابات، يومها كنت في مقتبل العمر، عشريني العمر ونيف، في بدايات عقدي الثالث. الحيوية والنشاط وحتى الحماس والاندفاع يسيطر علي، وعلى نظرتي للأمور، وتطلعاتي كبيرة جدا وكثيرة، وآمالي مفتوحة على آفاق الزمن المقبل تستشرفه؛ تطمح لخلق حياة ملؤها العطاء الفكري والثقافي والاجتماعي وخدمة البلاد والعباد، وتنمية الوعي بالذات والمجتمع. فكنت أحد المحاضرين في المجال الثقافي المتنوع، اكتسبت من أنشطتها قيما متعددة وبخاصة قيمة الثقة بالنفس وكفاية وكفاءة في الفعل الحر المسؤول، ومضيت مع الجمعية في ممارسة واجباتها وخدماتها بحماس. وعلى هذه الوتيرة، مرت سنتان؛ ثم، فجأة انقلبت، من كراهية ما لم أكن أعتقد به إلى الاعتقاد به ومحبته، نتيجة ظهور طيف حبيبتي من غير عادتها في ظلال قلبي وشغاف روحي من الضباب والغيوم والسحاب الذي كان يحجبها عن رؤيتي، وهي معي في الجمعية. رغم أني اعتدت حضورها بجانبي وآمنت بصداقتها زميلة لي أشاطرها مهامها وأتقبل ملاحظاتها وآراءها في المسرح والثقافة والأعمال الاجتماعية. فطيفها ليومه ذكرني برؤيتها لأول مرة، ساقتها الصدفة لي، في فضاء قرب إعداديتها التي تدرس بها، وكأن قدرا ما خفيا يقود خطاي إليها ببطء وتؤدة. فهي كانت في نقاش ولجاج مع صديقتها ترفع صوتها شيئا ما حول مغادرة المكان، وكنت أحمل كتبي عائدا من فضاء قراءتها إلى منزلي. شاهدتها وقتها بتمعن وتوصيف دقيق، حيث كانت تميل في شكلها ولباسها وهيأتها إلى الصبي منه إلى الصبية نتيجة شعرها القصير جدا والمجعد، وشكلها المغري الجذاب بلباسها ” للتجين ” والقميص والحذاء الرياضي. في الواقع كانت جد نحيفة، رشيقة القوام. نظرت إليها وأنا أمر بجانبها نظرة إعجاب وتقدير، بل وجدتها في عيني جميلة رائعة، لوحة فنية لا تشبه اللوحات، رسمتها ريشة ملاك السماء بوحي الأمر: كن فيكون، لتلامس أوتار وجداني الإنساني وتطرب أعماق فؤادي وعقلي، لغيت بها لأول نظرة. أمعنت النظر ثم انصرفت وفي نفسي اهتزاز عاطفي لم أشعر به قط رغم أن وسط عائلتي كان مليئا بمن تهواني وتتمناني عشيقا لها، حبا لقلبها؛ لم أكن أشعر قط بأي إحساس على الإطلاق نحوهن. ومر اللقاء الأول هكذا دون ردة فعل، ولو ببنت شفة ولا همسة أو حركة أو لمحة. لكن الأيام والصدف والأقدار وسيرورة الحياة ذات يوم جمعت نظرتي بنظرتها مرة ثانية خلال خطفة من الزمن كالبرق، كنت مستقلا الحافلة قاصدا المدرسة العليا للأساتذة حيث كنت أتابع دراستي وتكويني أستاذا للسلك الثاني الثانوي تخصص الرياضيات. نظرت؛ فإذا بي أشاهدها وهي تعبر الطريق إلى محطة الحافلات، بعدما خرجت من الثانوية التي كانت تدرس بها، وقد غادرت أنا رديفتها المتربعة بجانبها، فرفعت رأسها إلى الحافلة فإذا هي ترمقني مرة أخرى أنظر إليها، فأمعنت النظر وعيونها تتعقب الحافلة، ثم اختفيت في نقطة التلاشي واختفت معي، إلى أن دعاني أخي الأكبر إلى حضور أحد أنشطة جمعيته بإحدى دور الشباب، وكان النشاط عبارة عن محاضرة له في اختصاص التكنولوجيات… والآن هو المهندس التكنولوجي والمقاول الصناعي. فإذا بي أصادفها هناك مرة ثالثة من بين أعضاء الجمعية المنظمين والساهرين على ترتيب القاعة، رشيقة تمشي، حاسمة في الحفاظ على النظام بالقاعة، خاصة وأن المكان هو للشباب على مختلف الأعمار والعقليات والسلوكات والعواطف. لا يدري الواحد منا أي منقلب قد تنقلب إليه قاعة المحاضرات من طيش وتهور. نظرت إليها، ونظرت إلي، دون أي تواصل ولا عبارات ولا كلمات. ثم مضت الأيام وأنا في مشروع السفر مفكر؛ إلى أن دعاني أخي إلى الالتحاق بالجمعية عضوا فيها وكانت فرعا لإحدى الجمعيات الوطنية، التي طلقناها من بعد، وقد أسسنا جمعيتنا الخاصة بمعيتها ومعية شباب آخرين، واستمر الأمر عاديا بيننا، توطد بالصداقة والزمالة والعمل المشترك في الجمعية وأنشطتها. ودون البوح بمشاعرنا القائمة بيننا وكأنها تختمر وتغتمر لتفيض يوما ما! إلى أن قررت تقديم استقالتها من الجمعية نتيجة فيضان مشاعرها اتجاهي وحبها لي دون استطاعتها تجاوز حاجز الصمت والبوح لي بذلك، ودون علمي ومعرفتي بذلك، فصرحت لزميل لنا بذلك؛ فنصحها أن تؤجل استقالتها إلى أن يعلمها بمشاعري الحقيقية اتجاهها؛ حينها أخبرته بأنني أتبادلها نفس المشاعر وإني أحبها ومغرم بها، فهي في قلبي فاتنتي ومعذبتي في ذات الزمن المشترك بين موجودين كل منهما في قطب الكرة الأرضية المقابل، ولا يبوح بما في القلب والروح إلغاء للمسافات وتقريبا لقلبين محبين عاشقين ولهين! فكان لقاؤنا الأول عند عائلتها، ثم توطد الحب بيننا وتطور، ونما وترعرع كطفل ؛ بعد أن تزوجنا، وصرنا نتابع معا الدراسة الجامعية بنفس الجامعة ثم بعدها التحقت بي في المجال التربوي أستاذة للغة العربية؛ فألحقت بمنطقة نائية، طبيعتها فياف وقفار وبها أفقر العباد وأكرم الأجواد والعطاء… أولئك المنسيين في الصحاري وأعالي الجبال وسفوح الوديان والأنهار، من صنفوا بالهامشيين المهمشين بوسمهم بالمداد الأحمر بـأنهم ” غير نافع بالنسل والبر “، واستغلتهم السياسة كعادتها أرقاما في صناديق الانتخاب في رفع مقامات ثعالب الإنس وبيادق الصناديق والارتزاق واهتبال الفرص مع بقاء الحال على الحال؛ من وجوديتهم تبعث على الغثيان في كل الأزمان، ومن هم مبتوري الأصل، وفاقدي الحرية والاستقلال، ومتأصلي التلبية والطاعة لمولى العبادة. وجوديتهم ردة فعل النداء لا امتلاء القيادة والسيادة … من دسوا ” غير النافع ” من بلادي حجرا وبشرا في التراب خرائط بلا عنوان ولا طرقات ولا مؤسسات، ودون صلاة ولا أسماء ولا عناوين ولا شهادات وفاة، من سماهم بعضهم ” بدون “، وسماهم آخرون ” رحال ” … من شهدت لهم بنون التوكيد والشدة وتكرار الحرف بالذكاء والاجتهاد وأنا أدرسهم مقام الاعتقاد والارتقاء لعلهم تطفو سفنهم وأشرعتهم فوق الماء … أولئك من احتضنونا بالزغاريد والترحاب.

هكذا خطفني العشق والحب من تطلعات بنيتها عندما كنت وحيدا، وكفاني عشقها وحبها من أن أتطلع لحب غيرها، لأني كنت أعشقها حد الجنون وهي كذلك، فغضضت النظر عن السفر إلى بلاد الغجر، إلى من ظننت أن لقياها ربما يفيد. لكن … في بلاد العُرْب سرعان ما يموت قيس وليلى، ويبقى القبر شاهدا على رفات العشق والحب، وعظامه النخرة، ويظل غزل أغنيات الحب والعشق الجميلة أصداء بلا معنى، تلوكها الأشرطة المسجلة والأسطوانات لتأثيث التاريخ والذكرى، هكذا معلقة في السماء، رنينها يتردد في سمع العشاق والمحبين، ويبقى شعر الحب ساكنا فقط حبر الدواوين، وأبيات الناظمين، يبكيه العاشقين. أما فروح الحب الحقيقي في عالم العرب رفات ورميم، لا يخرجون تابوتها للنعي، في جنائزية الكنائس وقباب المساجد، والصلاة عليها صلاة الغائب، وقراءة آي الذكر الحكيم على روحها أو الصلاة عليها صلاة الراحة الأبدية. فربما شعر الحب والعشق والهيام يطرب العشاق والمحبين الجدد، الفتية الذين مازالوا في ريعان شبابهم وبداية مشوار حياتهم البهية الزهية، الغضة الطرية، التي مازالت لم ترزح بعد تحت الضربات والنكبات ومصائب العرب التي لا تنقضي، والتي قد تميت الحب والعشق قبل أن يولد في رحم الشباب والإنسانية. فالحب في بلاد العرب خطيئة، واستغلال ومصيدة أحزان وآلام، وإشباع شبقية إنسان! هم العرب عالم غامض موحش مكفهر يقتل كل شيء جميل في هذه الحياة مجانا وبحجج واهية، متلونة بألوان مسميات قيل عنها تارة التقاليد، ومرة الدين، ومرة أخرى اقتصادية، ورابعة اجتماعية، وخامسة ثقافية، وسادسة إثنية، وسابعة بالمقدس المحرم لكل تفاصيل القول في العشق والحب بعد الأربعين، المعطل للعقل والفكر الإنساني فينا؛ وهلم جرا … بل؛ عالم يقتل الحياة نفسها بسكين الأنانية وحب الذات، وبالإحساس المفرط بتضخمها، والغواية والزيف والكذب والخداع، والنفاق بكل أشكاله وألوانه ووجوهه! عجبا لحب وعشق يموت ويذبل تحت وطأة الحياة الصعبة ولا يستمر تدفقه في القلب بكلماته وعباراته الشاعرية الرقيقة، وتصويره المبدع المبتكر. حب وعشق يبقى محجوزا في شرنقة الألفة والاعتياد، والعادة والأنس والتعود على الآخر والعشرة، دون أن يدري أن ذاك هو حب وعشق في ذاته يغتمر مشاعر وأحاسيس إنسانية متدفقة اندفاق الماء في الأنهر والشلالات والعيون، قد يفنى العالم لكن هو لا يفنى، تموت الأشياء والأجساد والموجودات دون أن يموت؛ فالحب والعشق أرواح لا تموت بل تنتقل إلى عالم السماء في صمت دونما ضجيج ولا حرب، سابحة في جنات الخلد على أجنحة ملائكة رائعة تترنم بأغنيات مرهفة العبارات على أوتار قيثارة الحنان والوجد. نحن العرب نقتل فينا الحب والعشق لنبقي أجسادنا وذواتنا الترابية حية، فنكرس البيولوجي فينا على حساب الروحي والوجداني. لا نعرف كيف نعيش الحب والعشق وممارسة طقوسهما. من البداية ندخل الصراع ” ليموت القط/المش من اليوم/النهار الأول ” تطبيقا للمثل الدارج بيننا! بعد شهر العسل بل الكسل، نخطط كيف تكون حرب الاستيلاء على الآخر والسيطرة عليه، والعمل على إخراجه من محيطه العائلي ووسطه الاجتماعي بأي ثمن، نصطاده سحبا كسمكة من الماء، ولا نقدر أنه سيموت حتما في القلوب موت الأسماك في الهواء. نقوم بذلك عن سبق إصرار وترصد، ولو امتد تخطيطنا إلى الحرب على الوالدين، فهما غرباء بالنسبة لي، لا قيمة لهما في وجود حبي وعشقي. فلا أومن بأنهما سر وجود حبي وعشقي، بل هما أجنبيان غريبان عني، يظلان في قناعاتي وقراراتي كذلك، يجب أن يبقيا بعيدين، اعتقادا مني أنهما يكرهاني وقد يبعداني عمن عشقت وأحببت. لا يعرف العرب التمييز بين المواقع والأقارب والأمكنة والصلات العائلية والأنساب الدموية، ولا الصداقة والزمالة والقربى. فعجبا لعقلية تخير حبها وعشقها بينها وبين أمه أو أمها؟!! فهل موقع الأم هو موقع الزوجة والحبيبة أو الزوج والحبيب؟ وعجبا لعقليات تقبل هذا الاختيار وتعمل على انتشاره وإشاعته في شعبوية قاتلة؟ … العجب الكثير والكبير والمستغرب، حينما تكتشف أن نسب الطلاق مرتفعة في عالم العرب رغم زعمهم قيما وأخلاقا غير قيمهم وأخلاقهم المسلوكة، هي مسطورة في الدفاتر والرفوف لا في المعاملات والسلوك والصلات؟! … العرب، خرب أغلبهم كل شيء بسوء التصرف وتغييب الحكمة والعقل، والغباء. أطفالنا في الشوارع مشردون، وفي المدارس تائهون، وعن مستقبلهم غافلون، وبالعقد النفسية والاجتماعية ممتلئون. يشكوننا لرب العالمين ونحن من حولهم لا عشاق ولا محبون، نعيش عيش الدواب، من باب، الدابة كل من يدب على وجه البسيطة في مختلف الاتجاهات مشيا على أربع أو اثنتين أو زحفا أو تحليقا. أعرف مسبقا أني مفرط في الانتقاد من شداد الألسن، أفجر المشاعر وأستثير الغيرة، وقد أكون منبوذا؛ لأني قد وضعت وجهي أمام المرآة، عربيا؟ قتل الحياة ومازال يقتلها في اليوم مرات ومرات، ولا يدري ما يفعل، وإن درى يتلذذ بذلك، سادي العقلية والتصرفات والسلوك، أعوج الخطى والدروب. فالحب والعشق في عالم العرب عذاب وآلام وهجر وحقد وغضب لأنه إعجاب بالآخر وليس حبا، فالإعجاب ينطفئ وينتهي ويموت خلاف الحب والعشق، إذ كلما خفت شدته كلما زادت لوعته ودرجته وحرقته، وزاد اشتياقه لنصفه المفارق له. فهو لا يموت أبدا لأنه ذوبان في المحبوب اتحادا وانصهارا وحلولا سريانيا. فكم من حب دام، وكم من إعجاب انقطع وانتهى؛ فالعرب لا يعرفون كيف يحبون ولا كيف يعشقون؟ لأن مفهوم الحب والعشق غامض وملتبس بمفاهيم إنسانية أخرى عندهم، مشاعرهم مختلطة ومضطربة في نفس الوقت، وعمية الدلالة عليهم، فهم قد يخلطون في علاقاتهم الاجتماعية بين الكثير من الدروب والأزقة والشوارع، ولا يفكرون بقلوبهم وعقولهم في ذات الوقت وإنما يسيطر عليهم التفكير العاطفي السلبي، فيرتكبون الأخطاء، ويركبون الأوهام باسم الأقدار، وما هي إلا أحداث من صنيع أفعالهم وأعمالهم وتفكيرهم، وعمى قلوبهم …

هي حكاية نفسي لنفسي ما حكيتها لنفسي، لأن صديقي الحكواتي حكاها لي، ولم يأذن لي بحكيها إلا لذاتي، فلا تلمني إن كانت تشبه حكاية من يشبه صديقي أو يشبهني، فلا انتقاد لي إلا باللطف إن كنت غير عرب، تكتب للعربي. أما إن كنت عربا فأقول لك لطفا بي، ومهلا، وتريث حتى تستجمع قواك لكيلا تقتلني، فأنا وأنت في كفة ميزان القتل والانتحار والانحدار سيان. فلطفا هذه المرة، أحييني ولا تقتلني، فتلك رحمة منك إن قتلتني وحبي وعشقي، فذاتي تناديني أنا العربي وحيد ميت منذ حكيت عني. سلمت لنفسك ولأهلك وذويك ولحبك وعشقك؛ ما أذيتك. فأحييهم بإحيائي، ثم، استقم، ونم على راحة الحب والعشق، تدم حيا مثلي. فلا العشق يهواني، ولا الحب يغمرني ويضمني بين أضلعي، وإنما يهجرني ويجافيني لأنه لا يعرفني، فأنا صورة بلا معالم ولا ملامح ولا ألوان، وقصيدة بلا عنوان ولا أبيات …

رويت لي في سياق حديثي مع الراوي عن الحب والعشق عند العرب الغرب، في مقهى من مقاهي مدينتي العتيقة الهائمة في البحث عن ذاتها بين دروب التاريخ؛ ماضيه وحاضره ومستقبله، يوم السبت 29/04/2023 مساء، من دفتر كُتب على غلافه أحمر اللون بخط اليد الغليظ “أسرار من أعماق القلب” وبين قوسين (ليست للراوي وإنما للرواية). وأنا أحتسي بمعيته البهية فنجان شاي أخضر بنعناع وزعتر، مشددا علي بأنها للحكي فقط دون تشهير ولا عتاب ولا عقاب … فالكل سواء! جازما أن بها شيئا من الحقيقة، وباقيها إنشاء سوسيولوجي في طريق التفسير لما استعصى عن الفهم والاستيعاب، من حدثية الزمان والمكان والإنسان في زمن العرب الغرب … فإن راقتك فانتقد حبي وعشقي في زمن القهر. قالها لي وتأبط دفتره مغادرا طاولة المقهى إلى الأبد … بالسلامة، أردفت قولي إلى قوله. ونظرت إليه متفحصا؛ فإذا به أنا. لكن؛ لست أنا، فمن أنا؟ عربي أم قاتل سفاح …

معطف مطر

 

معطف مطر

عبد العزيز قريش

للذي ... للتي ... سهد ... سهدت ... على رصيف الأحلام الأيام

وما هدأ الحنين

 

يا حبيبي ... يا حبيبتي؛

ثمة لحظات في عمر الإنسان لا يكتب فيها، بل يُكتَب؛ كأن الكلمات تستعيره ليكون هو الحبر والمداد، والبياض هو الذي يقرأه. هذا النص الذي بين يديه، ليس قصة ولا خاطرة كما اعتاد التصنيف الأدبي قوله، بل هي محاولة بحث عن الذات في مرايا الآخر، في ظلاله، في ملامح أنثى قد تكون امرأة، وقد تكون فكرة، وقد تكون كلاهما معا حين يكون وحده. نص يشبه الغياب حين يهطل كمطر لا يبلل إلا الداخل، ويترك في القلب ارتعاشة من عبق مر عبره ولم يقبض عليه.

يا حبيبي ... يا حبيبتي؛

اخترت الغموض لا تهربا من الوضوح، بل لأني أؤمن قطعا أن الوضوح الكامل في الكتابة موت للمعنى، بينما الغموض الموجه دعوة إلى أن يسكن القارئ النص كما يسكن الحلم أو الذكرى أو الحنين. فكل كلمة هنا تتقصدك أنت، وتعنيك أنت، وتستدعيك لتسأل: من أنا؟ من أكون؟ ما وجودي؟ ما مصيري؟ من أنا من الآخر؟ أنا أنا أم نظير أنا؟ ومن هذه التي عبرتني؟ أين بدأت الحكاية؟ أين النهاية؟ وأين كان علي أن أصمت؟

ستجد في هذا النص أنثى تمشي تحت مظلة المطر، وأستاذا يحمل معطفا أثقلته المدن بكل أزقتها وأحداثها وناسها وعسسها وحراسها وسادتها وسدنتها، وأرصفة تشهد اللقاءات التي لم تحدث ... لكن الأهم، أنك ربما تجد نفسك ـ كما لم تعرفها من قبل ـ في ظل صورة، أو ظل ظل، أو لمسة مرت ذات وجع، أو نظرة بائسة لكنها متفحصة، قارئة في فنجان الوجود والهموم ما يسائل الإنسان عن الوجود: ما الوجود؟ هل أنت موجود؟ ...

يا حبيبي ... يا حبيبتي ...

اقرأها بقلبك، لا بعينيك فقط.

ودع الغياب يقول ما عجز الحضور عن قوله.

فربما، في نهاية الرحلة،

تكتشف أنك لم تكن تقرأني،

بل كنت تكتب نفسك ... ذاتك،

تصنع وعيك، تشيد وجودك،

على أنقاض حروفي،

في غيابي.

يا حبيبي ... يا حبيبتي ...

إليك أكتب، أيها العابر في مدن الحرف والصمت ... قد لا تجد في هذه الصفحة ما تبحث عنه، لكنك قد تجد نفسك، من حيث لم تدر أنك ضيعتها في وجود، في غياب، في أحداث، في أفكار، في نسيان، في تيه أو سراب ...

فلا تعد هذه الورقة أجوبة، بل إنصات عميق للأسئلة حين تتنكر في هيئة امرأة، أو ظل أنثى، أو صورة تتبخر مع أول قطرة مطر.

فمرحبا بك ... في أرض الغياب.

ومرحبا بك ... في وجهك حين تتأملك الحروف بمعطف مطر؛

لم يكن له مساء عاديا، وهو الأستاذ حامل أحلامه في مخيلة أيام، وشطحات أقلام، وخرابيش أوراق حين التقاها أول مرة، حيث كان المطر يتساقط خفيفا، يوشوش على الأرصفة كأنه يخبرها بسر عنه، وهي الأنثى الجميلة الرائعة تمشي تحت مظلتها الرمادية كما رسمتها الأحلام. فستانها يحمل عطرا لا يشبه إلا عطر الأزهار حين تقرر الرحيل إلى جسد أنثى، ترى الحبيب في المنام يعانق خمائل روحها وشغاف فؤادها. تجري وراء جماله لعلها تظفر بقبس من عشقه في كفها أو بقبلة على خدها ...

 

كان معطفه القديم يحمل آثار مدن عتيقة كثيرة، وأخرى حديثة من طراز معمار الاستعمار؛ بل قل: بقايا استعمار ذكرى تخلف وبئس إنسان. مدن أقام فيها عابرا باحثا عن ظل امرأة تسكن ملامحه قبل الولادة ببضع أعوام، حين رسم القدر خطواتها فوق خطوات ريشته على صفحات سراب الحياة. أنثى يعرفها قبل أن يراها حين سكن ثنايا اللاوجود أو قل: الغياب الأول، ولم يدر اسمها وإن سماها قبل غيابه الثاني امرأة كانت تائهة في عينيه، سقطت من ذكرياته كما تسقط حبات المطر على كتف مهاجر لا وطن له إلا الحنين.

 

نظر إليها طويلا بعينين هادئتين غارقتين في قراءة تفاصيل شكلها، لعلها هي التي رآها تمد يدها إليه في هذيان نومه، وهو كأنما يلملم شتات الصور التي تناثرت بقايا ذكريات على رصيف عمره، وهي كانت هناك… في مكان ما من ذاكرته أو في ركن من أركان أحلام شبابه، حين رقد شعرها ذات مساء على أطراف أنامله وهمست في حلم:

"أنا حبيبتك التي لم تغادر محطات شفتيك،

أنا قبلتك التي لم تجف،

أنا وجودك بين ذراعي … حتى وإن نسيت."

 

تقدم الأستاذ نحوها بتردد حاملا باقة ورد من بساتين العشاق ورصف حروف الشعراء؛ لكن خطواته كانت تسبقها ظلال قصائد لم يكتبها بعد. وإن كان ولهانا منذ زمان وأيام وأعوام، منغمسا في روحها وهي لم تبدع بعد. ابتسمت له كأنها تعرفه وهي لا تعرفه إلا إنسانا يعيش على عتبات النسيان، لم تقل شيئا، لكنه سمعها ـ في داخله وأعماقه العميقة المظلمة ـ تقول كل شيء ما عدا اسمها. في صوتها دفء الرحيل وحنين البقاء، وفي عينيها طيف يسافر به بعيدا عن كل المدن واللغات ولهجات اللسان، يحكي له بصمت وبكل المعاجم مدارج الخيال، في العشق والذوبان في الروح والجسد حد الامتلاء والابتلاء. أجنحة تعلو فوق أجنحة العصافير، تسقي الحياة بندى العطر ورداد أمواج الهيجان والطوفان.

 

لم يلمسها وإن عشقها وهو يهفو إليها حبيبة أحلامه وأوهامه؛ لكن أطرافه كانت ترتجف كأنها شعرت بشعرها يداعب أصابعه من جديد دون وسادة صدر ولا ضمة حنان، ولا لثمة بعد عناق! لم يتحدث قط إلا من أعماقه يتسرب إلى الخارج نفس بارد يمزق نظراتها وعبراته التي لم تسقط بعد، فهو يعرف أن الحديث معها لا يكون بالكلام، بل بما تتركه من خفق في القلب، ومن غصة في الحنين.

 

عادت خطواتها تغيب في الضباب سرابا وهباء، لكن الأستاذ المثقل بالأحزان لم يذهب لأنه يعلم أن الدرب طويل غير معبد إلا بالحصى والأشواك والورود الذابلة، باهتة اللون والأيام، حيث وقف تحت المطر مشدوها حيرانا، ومعطفه فوق كتفه صار خفيفا كأنه لم يكن، كأنها حين مرت به، خلفت فيه وطنا دافئا لا يحتاج إلا لذكرى واحدة كي يشتعل. ومنذ مساء الغياب ذاك، صار كل المزن الذي يهطل على المدينة يحمل رائحتها، نسيما خفيفا من مساحيق زينتها منعشا، وحقيبة يد تعلو كل الرياح والسحاب الممطرة، وكل أسماء الكون غير اسمها ... ها أنا الأستاذ الفنان الرسام بكل الألوان والحروف والجمل والأبيات؛ الآن، بعد كل تلك السنين، أجلس وحيدا على المقعد الخشبي نفسه، الذي رسمت خيالات ملامح وجودها على أوراق مفكرتي الحزينة، قرب المقهى الذي لا تزال ستائره الباهتة شاهدة على مساء لقاء فراقنا، الشارع نفسه لم يتغير كثيرا منذ هجرته للمرة الأخيرة. ربما فقط أنا من كبرت أو هرمت … أو نضجت الذكرى في داخلي حتى صارت أكبر من عمري.

المطر يهطل كما كان، والسيل يجري على الاسفلت كما جرى البارحة؛ هادئة كل الأحداث والذكريات والمشاهد والصور، وحتى الصدى … كأنه يعود معي إلى تلك اللحظة، ليهمس لي بصمت تحت شرفة منزلها الذي لم تسكنه البتة:

"ألم تقل إنها تائهة في عينيك؟ كيف ضاعت إذن؟"

ابتسم الأستاذ الذي لم يكن قط أستاذا وإنما صدى كاتب مجهول، نكرة في عالم تصفيف الحروف. أربت على جيب المعطف القديم الذي لم يعد يلبسه، وتحسس آخر الرسائل الصغيرة التي لم يرسلها إليها أبدا، لكن هي التي كتبتها له بنظرتها في ذلك المساء: "أنا لم أغب، أنت فقط نسيت أن تبحث في قلبك قبل ذاكرتك."

 

أغلق عيني قليلا،

فيمر طيفها مجددا ...

يمشي بهدوء فوق أرصفة كل الطرقات،

تتبعها خطوات من عطر،

ويبللني حنين لا يجف.

 

ربما لم تكن حلما،

وربما كانت كل الحقيقة ...

ولكنني، إلى الآن،

كلما هطل المطر،

أعود لأبحث عنها

بين قطراته،

كما يبحث المسافر عن وطنه في وجه امرأة مرت

ولم تعد إلى الأبد.

 

            فما؛ تكون يا ترى الأنوثة حين يجف المطر، وتنسحب الأحلام وحتى الأوهام؟ وحين تغادر المعاني الكلمات، والنغمات الأوتار؟ ويتبلل المعطف بسراب الصيف؟ ... أهي الدنيا كانت في الصدى أم هي الأنوثة حين لوحت براحتها أني ما عدت أنثى؟ ...

            قل ... قولي ... لي أني على رصيف أحلام الأيام أكتب الرسائل بلا عنوان ... وأمحو ما كان من الزمان والمكان ... وأبقى وحيدا بين السطور والخطوط والفواصل ذكرى إنسان ...

 

 

 

 

 

الأحد، 18 مايو 2025

كوني كما أنت

 

فاس في:18/02/2025

 

كوني كما أنت

مهداة لمن

"سقطت دمعة في عيني"

عبد العزيز قريش

حبيبتي؛ كوني كما أنت

فأنت أنت

ولا تكوني إلا أنت

 

من أجلك؛ خلقت الأنوثة بين يديك

أعشقها بين شفتيك

أرسمها لثمة على خديك

أطرزها وشما فوق ذراعيك

اسما يرحل إليه الحب

 

حين تغرق كلماتي في نظراتي

ولون عينيك

مديح وتر فؤاد

زرقة ماء

في صباحات الورد ... ورداد العطر

 

حين ترحل الطفولة عنك

تتكشف أطيافك ظلال الوجود

أجنحة السماء

ملائكة السفر

 

في ذاتي

في رؤياك

تولد كينونة العدم

 

نغم يسري في عروقي

في دمي

يشي لي بكل أسمائك

 

حين يسقي الندى معاجم العشق

تذوب كل حروف الاسم في مداد السطور

حينها يصير الصدى أفصح من الكلام

ويغدو المعجم أطلال نطق رخيم لامرأة

رحلت بعيدا لتكون كما أنت

 

فيعجز المعنى عن احتواء طيف من بقاياك

تتوارى الأمكنة والأزمنة في مقلتيك

فلا تكوني إلا أنت كما أنت

 

فذات الجمال لا تكتمل حبيبتي

إن لم تسكني حقيقتها

وتمسي في ظلالك كما هي هي

 

لا صورة

لا انعكاس سراب

ولا أمنية ...

 

 

 

الأربعاء، 23 أبريل 2025

الاشتباك النقدي الديني المعرفي في الفكر الإسلامي

 

الاشتباك النقدي الديني المعرفي في الفكر الإسلامي

"ماجد الغرباوي نموذجا"

عبد العزيز قريش

ـ مدخل تمهيدي:

            من الأبجديات العلمية والأدبية التي درجت عليها المنهجيات الحديثة، التعريف بمنطلقات النص المفاهيمية. وبما أن النص هنا، يتناول " الاشتباك النقدي الديني المعرفي في الفكر الإسلامي" متكئا على المفكر ماجد الغرباوي نموذجا، سيحدد هذا المفهوم إجمالا الذي ينطلق منه النص في هذه الورقة ومتعلقاته، لكي نكتشف مدى اشتباك ماجد الغرباوي مع النص الديني. وقبل ذلك لابد من بدء يمهد لتحديده:

ـ بدء:

منذ انطلاق قول الشرح والحاشية على هامش النص الديني الأصلي، انفتح الفكر الإسلامي على مسرح الحوار الفكري والتداول المعرفي إما بالصمت المفروض أو الرقابة الذاتية أو المؤسساتية القمعية، أو الجدل الفكري بمعنى النقاش والتحاور والمقاربة العقلانية المبنية على الأسس العلمية والمنطقية والنقدية، أو السجال الفكري الذي يحمل راهنا شحنة صراع قد تصل إلى الإلغاء الفكري، أو الائتلاف والمرونة الفكرية التي تستوعب إرادة الاشتراك، أو الاختلاف الذي يقبل بالرأي الآخر واحترامه، أو خلاف تضاد وتباين آراء ومواقف وتأويلات في أفق إقصائي. والخلاف أصلا هو الذهاب في الاتجاه المعاكس من المنطلق.

فشكل هذا الانفتاح ما يسمى في الأدبيات النقدية "الاشتباك النقدي المعرفي"، وهو في المجال الديني ليس اشتباك سجال فقهي أو كلامي، وإنما هو لحظة وعي ديني تأويلي واحتكاك عقلاني نقدي مع النصوص الدينية وتأويلات أصلها. كما هو اشتباك معرفي أو عملي مع السلطة الدينية والسياسية في نفس الوقت. وقد ظهر هذا الاشتباك في مراحل متقدمة من التاريخ الإسلامي ومتعددة، وتمظهر بجهود وعطاءات فكرية جليلة ومقدرة من جملة أعلام المسلمين الفكرية أقبلت على إعادة قراءة الدين نقديا من الداخل، أو تفكيك بنياته العقدية، والشعائرية، والفقهية القانونية أو البنية التشريعية، والقيمية/الأخلاقية/الإنسانية، والرمزية اللغوية، والتاريخية، والاجتماعية، المعرفية التأويلية من منظور نقدي عقلاني. هذه البنيات التي ما فتئت تكون مسرحا دائما للقراءة والصراع المعرفي.

ـ في مفهوم الاشتباك النقدي المعرفي:

يراد بالاشتباك النقدي المعرفي في هذه الورقة تساوقا مع بدئها: ذلك الجهد الفكري الكبير التفكيكي للبنى المعرفية التقليدية، ومساءلة مسلماتها العقدية والفقهية والقيمية والاجتماعية الذي يقدمه مفكر أو تيار فكري أو مدرسة عقائدية داخل الحقل الإسلامي لتوعية العقل المسلم الفردي والجمعي، وتصحيح مغالطاته وأخطائه والاستفادة من إيجابياته. بتوظيف مناهج علمية وأدوات معرفية ممتاحة من العقل والمنطق والتأويل والسياق التاريخي.

ويقع هذا الاشتباك داخل النسق الديني لا خارجه بحكم الضرورة المعرفية والمنهجية ومعطيات النسق المعرفية التي تشكل وحدة متكاملة داخليا ومنفتحة على الخارج في إطار نظرية العلاقات بين الأنساق. فيخلخل قواعد النسق باستيعاب واحتواء المفاهيم، والنظريات، والنماذج، والاختلافات أو الرؤى المتعددة توسعة لدوائر التأويل واستيعابا لمقولاتها، وفي المقابل كشفا لآليات السلطة الكامنة والمتضمنة والمستترة فيه.

ـ في قوام الاشتباك النقدي المعرفي في الفكر الإسلامي:

            يقوم قوامه على مرتكزات أساسية منها: 

ـ العقل التأويلي: يرتكز الاشتباك النقدي المعرفي على تأويل النصوص بعيدا عن الحرفية أو الظاهرية أو النصوصية، بقراءتها من جديد أو إعادة قراءتها في ضوء السياق التاريخي والاجتماعي المؤسس أو المستمر؛ لكشف المعاني وظلالها المتوارية خلف ظاهر النص.

ـ نقد السلطة التأويلية: ينطلق الاشتباك النقدي المعرفي أصلا من مبدأ الشك في شرعية امتلاك الفقيه، أو المفسر التقليدي للنص الديني وحيدا الحقيقة المطلقة؛ مطالبا بإعادة توزيع السلطة التأويلية لصالح العقل الفردي الحر والمستقل ذاتا عارفة تمتلك حق القراءة والتأويل.

ـ التحليل التاريخي: قراءة المفاهيم والأفكار الدينية فهما لتطورها، يرتكز فيه الاشتباك النقدي المعرفي على تبني البعد التاريخي، الذي يمنع المعنى الأصلي للنص الديني، ويفتحه على التأويل والواقع باستمرار الخط الزمني للحياة، بما يحرره من الجمود إلى التجدد. فقراءة معنى مفاهيم من قبيل: الخلافة، الشورى، الإمامة، والعصمة ... تتطلب مثلا استحضار المعطى التاريخي في معرفة وفهم إنتاج مقولتها في عصر ما دون آخر، وإمكانيات تجديدها وفق الواقع المعيش في كل عصر ومعطياته ومتطلبات حتى يتم فصلها عن صيغتها المقدسة التي تجمدها في دلالات معجمية واصطلاحية وتطبيقية غير قابلة للنقد أو المراجعة الفكرية. ما يفضي إلى قطيعة الماضي لواقع الحاضر.

ـ تفكيك الخطاب العقدي الموروث: الاشتباك النقدي المعرفي يسائل التصورات الدينية الكبرى كالألوهية، والنبوة، والمعجزة، والغيب، والبعث، والجزاء والعقاب، والخير والشر، والطاعة لا بنيات عقدية فحسب، وإنما بنى رمزية نسقية من المعاني والصور والتأويلات، تعتمد للضبط الاجتماعي والسياسي، ومرجعا أعلى للمعنى والقيم والتوجيه، بتوغلها في الوعي الجمعي معيارا للسلوك والانتماء. وتحويلها إلى نصوص مقدسة وأقوال منسوبة للوحي، ما يضفي عليها القداسة والحصانة من النقد. ويستكشف في مساءته التصورات الدينية الكبرى ما حملت أو احتوت من تضمينات إبستيمولوجية دينية وسلطوية فقهية وسياسية ترتبط فيما بينها لتشكل قناعات المؤمن في العيش ضمن مجتمعه، وقبوله للواقع بكل معطياته اندماجا وتكيفا. وتحويلها إلى نصوص مقدسة وأقوال منسوبة للوحي، ما يضفي عليها القداسة والحصانة من النقد. فمثلا: تحول الخلافة من مشروع ديني روحي إلى بنية رمزية تبرر وجود أنظمة سياسية تفرض نفسها باسم الدين، وتبرير الاستبداد، والطاعة العمياء بعدم الخروج عن الخليفة ولي الأمر. مقدسات لا أصل لقدسيتها سوى انتمائها للدين!

ـ الجرأة الأدبية المعرفية: بما تعني من قدرة على كسر التقاليد السائدة في المعرفة والبحث والكتابة والقول، من حيث التعبير الحر والمستقل، وغير المألوف عن الأفكار الحساسة، أو عن المسكوت عنه، وطرح ما يخالف الأعراف والتقاليد الدينية والاجتماعية والثقافية ... بجانب تقديم تصورات نقدية متقدمة، بلغة أدبية جمالية راقية تنأى بنفسها عن التهجم والتهكم، لكنها لا تتنازل بالمطلق عن الصراحة والعمق. يتميز بها الاشتباك النقدي المعرفي في مساءلة المقدسات والسلطة، وفك تشبيكها بالنص المقدس الأصلي، وتحرير الإنسان من سطوتها واحتكارها، عبر محاولة تخليص النص من هيمنة التأويل السلطوي الذي يفرض بالانتماء لمقدس الدين، أو يفرض بالسلطة الفقهية والسياسية.

ـ في نماذج من الأعلام في الاشتباك النقدي المعرفي:

            يتضمن تاريخ الفكر الإسلامي مجموعة من رواد الاشتباك النقدي المعرفي على مدى عصوره، لا يمكن استيعابهم في لحظة مقالية ضيقة. لذا سيكون المثال للمثال فقط ببعضهم من خلال حقب تاريخية تعرب عنها الأسماء: 

ـ أبو حيان التوحيدي:

أبو حيان التوحيدي قدم نموذج المفكر المشاكس المهمش، الذي خاض معركته مع النفاق الثقافي والديني في زمانه نقدا واسعا، كاشفا تناقض الخطاب للممارسة، مستمسكا بمواجهة الخطابات السلطوية باسم الدين أو الفلسفة.

ـ ابن رشد:

اشتبك نقديا بالعقل مع الفقهاء والمتكلمين، مدافعا عن وفاق الفلسفة بالدين، من أساس تأويلي عقلي، باعتبار الشريعة الحقة لا تناهض ولا تناقض العقل البرهاني.

ـ جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده:

معركة اشتباكهما النقدي المعرفي كانت مع الفكر السلفي والجمود الفقهي، بالدعوة إلى الاجتهاد والتجديد وإعمال العقل، وإلى إصلاح ديني ينهض بالأمة في سياق مقاومة الاستعمار والتخلف والجهل.

ـ محمد أركون:

في اشتباكه النقدي المعرفي للفكر الديني قدم مشروعا متكاملا لإعادة قراءة الإسلام وفهمه من منظور أنثروبولوجي وتاريخي ولساني، ساعيا لـ "إزالة الأسطرة" عن النصوص الدينية، في تمييز واضح بين "القول الديني" و"الظاهرة الدينية". وهو ما ذهب إليه معظم النقاد الدينيين المعاصرين.

ـ عبد الجبار الرفاعي وماجد الغرباوي:

يمثل كلاهما موجة فكرية التنويرية معاصرة في نقد بنية الفكر الديني، عبر محاولة تحرير العقل الديني من القداسة، والعنف، والتسلط، والأسطرة بتفكيك آليات الهيمنة الكامنة في التراث الديني والتأويل الفقهي والتفسيري التقليدي.

ويبقى الاشتباك النقدي المعرفي في الفكر الإسلامي جهد ترميم وتجديد وتطوير، وليس جهدا أو حركة تدمير!  يعيد للدين والديني روحاهما الأخلاقية والقيمية والواقعية، ويحررهما من قيود المذهبية والمؤسسات السلطوية. وهو اشتباك مشروع نهضوي، يقوم على النقد شرطا أساسيا للفهم والانطلاق، ومن العقل صديق سبيل الإيمان، في مسيرة جادة ومسؤولة نحو دين إسلامي حي متقد بروح الواقع والعصر، متجدد بهما يعانق الإنسان وحريته وكرامته.

وبما أن ماجد الغرباوي من أبرز المفكرين المعاصرين المشاكسين للديني، الذي اشتبك نقديا ومعرفيا مع النص الديني من موقع نقدي مستقل تحرري تنويري. ومقولاته الدينية النقدية المتضمنة في مشروعه التنويري، من نفيه فوقية النص الديني ومثاليته المتعالية، واعتباره بناء ثقافيا وتاريخيا، تشابكت فيه الأبعاد العقدية بالتاريخية، والسياسية باللاهوتية قابلا للنقد، بما يؤدي إلى تحرير العقل المسلم من سطوة التأويلات التراثية، التي وطنت الاستبداد بتلويناته المتنوعة تحت عنوان الدين.

انطلاقا من هذه المشاكسة النقدية، ترى إلى أي حد فعلا كان ماجد الغرباوي ناقدا دينيا مشاكسا للديني؟ ومن علامة الاستفهام هذه؛ نقترب من مقاربته عبر محاولة تحديد مفاهيمه، واستكشاف مبادئه النقدية، وتحليل نماذج من اشتغاله على المنتوج الديني الإسلامي، وصولا إلى خاتمة تسائل مشروعه من منظور "نقد النقد الديني". لفتحه على آفاق واعدة، بشكل رمزي دلالي لا تفصيلي.

1 ـ المحددات المفاهيمية لفكر الغرباوي:

من المحددات المفاهيمية نقف على:

ـ النقد الديني: بمفهوم فحص المنتج الفكري تبيانا له، لا بمفهوم رفض للدين كما يعتقد البعض أو يريد اعتقاده لقصدية ما. ومنه فالنقد الديني عنده مساءلة نقدية معرفية لمنتوج العقل المسلم، لفهمه وتفسيره للنصوص الدينية. فالنقد الديني عند مفكرنا التنويري مساءلة للتراث العقدي والفقهي للفكر الإسلامي، بما هو حاملا لبنيات اجتماعية وثقافية وسلطوية.

ـ المقدس: لا يبئر ماجد الغرباوي مجهر نقدي على "قدسية النص المقدس في ذاتها"، وإنما يبئرها على "سلطة المقدس"، بمعنى الكيفية التي تم بها تأويل النص وتوظيفه لإنتاج هيمنة رمزية واجتماعية وثقافية

ـ التراث الإسلامي: عند ماجد الغرباوي يتموضع التراث الإسلامي نتاجا ثقافيا تاريخيا قابلا للمقاربة النقدية، وليس حقيقة مطلقة. بما يخضعه للظروف التاريخية والسياسية التي أنتجته. وعليه تقتضي مقاربته تشريحه وتفكيكه لا تمجيده وتقديسه.

ـ السلطة: سواء كانت سياسية أو مذهبية أو أيديولوجية يشتبك ماجد الغرباوي معها لكون المتحكم الرئيسي في مسارات التأويل وتوجيه الفهم الديني في الاتجاه والتوجه المطلوب.

2 ـ المبادئ النقدية في مشروع الغرباوي:

ـ منهج التأويل التاريخي: يتبنى ماجد الغرباوي المنهج التأويلي التاريخي في مقاربة النص الديني وفهمه، وينأى عن الحرفية والظاهرية والنصوصية. فهو يجد وجوب فهم النصوص في سياقاتها الزمانية والمكانية والحدثية، وإسقاطها على حاضرنا دون وعي تاريخي يخلق إشكالات معرفية وفكرية وفقهية خطيرة. كمسألة المرأة، والمختلف الرديف أو النظير، والإسلام السياسي ...

ـ تحرير العقل من مركزية الفقيه: ينتقد ماجد الغرباوي في مشروعه ما يسمى بـ"الاحتكار الفقهي" للتأويل، مطالبا بإعادة الاعتبار للعقل المسلم مصدرا تأويليا نقديا، يغطي مساحات كبيرة من الفراغ القولي الديني.

ـ فك الارتباط بين الديني والسياسي: من المبادئ الأساسية في مشروع ماجد الغرباوي النقدي التنويري فك هذا الارتباط المحكم البرغماتي. فاختلاط الدين بالسلطة السياسية أدى من وجهة نظره ـ وهو صادق في ذلك ـ إلى تشويه الخطاب الديني، وتحويله إلى أداة تجهيل وتزييف الوعي وتجميد فضلا عن تسلط وقمع وإقصاء.

ـ نقد البنية الميثولوجية للتفسير: التي تخامرها "الأسطرة" بما هي نظام من القصص الرمزية التي تحكي عن الآلهة، والأبطال، وبداية الكون، والموت، والمقدس، و تفسر الظواهر الطبيعية، والقيم الاجتماعية، والطقوس الدينية بطريقة رمزية. مما تحمله تفسيرات وشروح النص المقدس التراثية ، كالإسرائيليات والمختلقات والموضوعات. فهو يقوم بتفكيكها وتشريحها بمشرط النقد الديني، وإعادة بناء التراث الديني على حقائق علمية ومنطقية. وبذلك يفكك الخطاب التقليدي ويعاد بناء فهم ديني جديد للنص الديني، ينطلق أساسا من القيم الأخلاقية العليا للدين، لا من منطلقات المؤسسات السلطوية.

3 ـ نماذج من اشتغاله النقدي على التراث الديني:

يقدم ماجد الغرباوي نموذجا متقدما للاشتباك النقدي الديني المعرفي في الفكر الإسلامي بتفكيك البنى اللاهوتية التي صنعتها الثقافة الدينية التقليدية حول النص المقدس بالتأويل الأوحد للمؤسسة الدينية فردا كانت أو مجمعا مؤسساتيا؛ حيث يشتغل معرفيا على تحرير العقل المسلم من أوهام السلطة الرمزية والتاريخية، التي سيجت النص من الخارج وحصنته من فهمه في سياقه الطبيعي والمعرفي. وذلك بــ :

ـ نقد علم الرجال وأسانيد الحديث:

يذهب ماجد الغرباوي إلى القول بأن "علم الرجال" كان أداة إقصاء سياسي طائفي، استخدمت من قبل السلطة الدينية والسياسية في إقصاء معارضي السلطة أو المدرسة المذهبية. مما يقترح معه ضرورة المراجعة المعيارية لهذا العلم على أسس عقلانية ومعرفية وليس مذهبية، لكي يحميه من التحيز، ويخرجه من الذاتية إلى الموضوعية. فالقول "لحوم العلماء مسمومة" يدل على ما في علم الرجال من مقولات ذات، فهي مقولة ذاتية لا موضوعية.

ـ تفكيك النسق الفقهي الذكوري:

ينتقد ماجد الغرباوي الفقه التقليدي لتكريسه دونية المرأة باسم النص الديني والتفسير الأحادي. مؤكدا على أن جملة من الأحكام الفقهية شيدت على أعراف وتقاليد قبلية، وتفسيرات سلطوية، لا على جوهر الرسالة الإسلامية وروحها، ونزعتها نحو تحقيق إنسانية الإنسان. حيث:

              (ليس هناك حكم قرآني يخص المرأة مستتر، ما دام القرآن بين أيدينا. لكن المشكلة في تفسير النص القرآني وتأويله، والمشكلة في خلفية الفقيه والمفسّر ومدى تأثره بالواقع الاجتماعي والثقافي [ليس التكوين المرجعي للمشرع/الفقيه معطى جاهزا أو نهائيا، بل صيرورة تاريخية، وتراكم يعكس البنية الثقافية للمجتمع، ومهيمنها، الذي هو نسق مضمر، يمارس دور الهيمنة والإقصاء. هيمنة كل ما يضمن تماسك بنيته، وإقصاء ما يربك الوعي الجمعي. فعندما يسوق القيم الذكورية، مثلا، تؤثر لا شعوريا في كل قرار له علاقة بالمرأة. لا فرق بين فقيه وغيره. مادامت قيما متوارثة، ضاربة في أعماق الوعي، كحقائق نهائية. فتتأثر عملية استنباط أحكام المرأة بها، ولو بشكل خفي عندما يرجح المجتهد روايات دونية المرأة على غيرها. وبإمكانك العودة إلى أحكام المرأة في الفقه السائد، فإنه لا يرى ندية بين الرجل والمرأة، هذا هو السائد آنذاك، قبل وبعد ظهور الإسلام. وجود واحد تتبعه المرأة، جزءا من متاعه تلبي حاجاته، وتستجيب لشهواته، ويتصرف بها كما يود ويهوى. أعراف أبوية صارمة، كانت سائدة قبيل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي جاء بعد كفاح مرير ضد وصاية المجتمع][1]. ومدى قبوله [الفقيه والمفسر]* ما يوازي الآيات القرآنية من روايات. المشكلة في الفتاوى والأحكام التي يصدرها الفقيه، لا أخفيك أن بعضها تعسفي، ضد المرأة، بحاجة إلى جهد اجتهادي لتقديم أحكام أخرى تتناسب مع مقام المرأة راهنا ... لم يساير الله المفاهيم الذكورية المستبدة بالمرأة، لكن عندما ظهر الإسلام وجد واقعا يمتهن المرأة، ويلغي وجودها، ولعل آية: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَى ظَلْ وَجْهُهُ مُسْوَدًا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيمسكه عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التَّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) "النحل : 58 ـ 59"، تجسد هذه الحقيقة.

فأحكام الإسلام جاءت لتنتشل المرأة من هذا الواقع، فبدأت بالاعتراف ببشريتها وإنسانيتها. يتضح ذلك من خلال الخطاب الشامل بإطلاقه للذكر والأنثى في كافة المجالات الحياتية والأخروية والحقوقية إلا ما يقتضيه الواقع البايلوجي والوظيفة والاجتماعية ... فالإسلام لم يساير المفاهيم البشرية المستبدة، كما تقولين، وإنما تبدو الأحكام هكذا بسبب ابتعادنا عن الواقع العربي، ومقارنتها بمنظومات حقوق الإنسان بعد تطور المجتمعات والعقل البشري بخمسة عشر قرنا، لكن لو قورنت بما قبل الرسالة ستكون منصفة جدا. بل وتعتبر قفزة نوعية بكل المقاييس ... لا أنكر أن بعض المرويات فيها ظلم للمرأة ومكانتها وإنسانيتها، لكن في رأيي ليس لهذه المرويات أية حجة شرعية)[2].

ـ تحليل ظاهرة العصمة والإمامة:

يحلل ماجد الغرباوي نقديا عقيدتي العصمة والإمامة ضمن السياق السياسي والتاريخي الشيعي، موضحا عدم نشأتها معطى دينيا خالصا، بمعنى نشوئها من خارج النص العقدي الديني لا كالصلاة أو الصوم الناشئ بطبيعته الدينية. وإنما هي مفاهيم بنيت وسيلة لتبرير السلطة وإنتاج شرعية دينية للإمام والفقيه.

ـ الدين والمجتمع المدني:

انطلاقا من تاريخية النص الديني التي توافق معطى الواقع في كل عصر ومرحلة، أجد ماجد الغرباوي يؤمن بعدم تناقض الدين والمجتمع المدني، بل الدين لب هذا المجتمع، حيث يفهم المجتمع المدني في إطار الدين تحت ضوء قيمه الإنسانية المحتضنة للاختلاف النوعي. والداعية إلى التعايش والتعارف بين مكوناته. وبذلك وجدته من دعاة علمنة التأويل الديني لا علمنة الدين.

فتنوير العقل البشري و تحريره من القيود بالحوار مع الآخر المختلف أو النظير، وممارسة النقد بأسلوب عقلاني حضاري لأجل تقارب الأفكار بين الرأي و الرأي المختلف والمخالف في ظل صراعات متنوعة دائرة حاليا نتيجة الانتكاسة الغربية في القيم التي تجلت مع القضية الفلسطينية وطوفان الأقصى، حتى بتنا نلمس تحيز مفكرين غربيين للقتل والإبادة الجماعية بشتى الوسائل.  

وسنذهب إلى أمثلة تطبيقية لما تم نقده دلالة على مشاكسته واشتباكه النقدي الديني المعرفي بكل جرأة واقتدار:

أ ـ في كتابه "مفهوم النص نقد مرجعيات التفكير"، يسائل ماجد الغرباوي أنساق الهيمنة الرمزية والدينية، التي تتستر خلف ما يسمى مجازا "التفسير الديني" من خلال عناوين عدة كالتشريع من خارج النص المقدس بفرضيات غير نصية، الذي سيده الفقه التقليدي في الفكر الإسلامي التشريعي، ضمن ميثولوجيا التفسير التي تخضع التفسير بحكم السلطة الدينية أولا ثم السياسية ثانيا لبنى أسطورية أو خيالية، تطبع النصوص الدينية التراثية خاصة بالخرافة والتأويل من خارج العقل، نأيا به عن السياق الواقعي والتاريخي. بتوظيف الإسقاطات الرمزية الميتافيزيقية الخيالية عليها، وتضخيم القصص الدينية ونقلها إلى درجة الأساطير التأسيسية المتجاوزة للواقع والعقل. كما تقحم الروايات الإسرائيلية أو المنحولة في تفسير النصوص الدينية، دون فحص تاريخي أو نقدي. مثل تفسير مقاتل بن سليمان البلخي[3]" ت.: 150هـ/767م بالبصرة"، وحتى تفسير الإمام الطبري على جلالته وأهميته لم يسلم من الروايات الإسرائيلية[4]. وتعمل تلك الميثولوجيا على إنتاج "حقائق!" تفسيرية تقوم على الميث "mythe" بمعنى رواية خرافية، غالبا ما تكون ذات أصل شعبي، تجسد كائنات "آلهة، أنصاف آلهة، أبطال، حيوانات، قوى طبيعية ترمز إلى طاقات، أو قوى، أو جوانب من الحالة الإنسانية"[5]، لا على المنهج العلمي أو المعرفي الصلب.

            فـ :

              (التراث فهم بشري، يمكن تفكيكه وتحليل مقولاته، غير أن الضرورات المرجعية للمذاهب المتصارعة نأت به عن النقد والمراجعة والتشكيك، عندما فرضت حوله أسيحة ميثولوجية، وسحته في وجدان الناس، رغم غرائبية مصادره، وأسطورية قدراته المعرفية. فكرست الأيديولوجية منطق الاستعلاء والوصايا، بعد أن جردت التراث من تاريخيته وبشريته، وأبقت على تعاليه وقدسيته، رغم أنه ليس مصدرا للمعرفة القائمة على الدليل والبرهان دئما، بل فهم بشري يصدر عن بنية قائمة على أسطرة الرموز الدينية، تتداخل فيها الخرافة بالوهم. فهي طبيعة سحرية، تموه الحقيقة، عبر وعي مختلف لمعناها ومعنى الحياة والموت والنجاة والسعادة.

              الثقافة التراثية تخلق حالة من التناقض اللاشعوري تجاه الحداثة ومعطياتها، وتجاز للماضي على حساب الحاضر. فلا يمكن للتراث أن يكون مصدرا للمعرفة، وهو يرتكز لمرجعيات قوامها الإيمان والتسليم. عكسا للمعرفة الحقيقية، التي يمكن الاستدلال عليها من خلال التجربة أو البرهان الرياضي، والدليل الفلسفي القائم على الاستنباط والتأمل العقلاني، بعيدا عن المتخيل الميثيولوجي وبالتالي لا معنى للحديث عن نهضة حضارية)[6].

فالنقد الديني المعرفي يتجلى عند ماجد الغرباوي في هذه النقطة في خلخلة هذا التراث من حيث تحليل بنية المرويات المتخيلة التي شاعت في التفاسير والتأويلات، المتخيلة الموضوعة والمختلقة، أو المضخمة، أو الإسرائيليات، التي أورد مثالا لها حول الإمام المنتظر منتقدا ما جاء في شأنه:

(يا سيدي الإمام المنتظر في الروايات الشيعية كائن أسطوري لا تؤثر في أعتى الأسلحة فتكا، فما تأثير أسلحة إسرائيل تجاه قدراته الخارقة!!. لو تقرأ ماذا كان يفعل بعد ولادته وهو ابن بضع أيام، وكيف ارتفع للسماء بواسطة ملكين ليقف بين يدي الله عز وجل، ويأخذ منه ميثاقا، فحينئذ لا تتعجب من هذا الكلام!!)[7].

وهو النقد الديني المعرفي يعري عن كيفية إدماجها قصصا وأساطير لا أصل لها في القرآن، ومن ثمة إكسابها سلطة رمزية بفعل التكرار والإسناد، مما غدا بها إلى حقائق يقينية مدسوسة في الوعي الفردي والجمعي. تقود الإنسان إلى الجمود الفكري والقبول بالأسطورة والخرافة، وبالانقياد والطاعة من خارج توظيف العقل. لب الوجود في القرآن الكريم.

            كما يسائل "حجية السنة المطلقة"، من حيث:

 (لا شك إن التشريع مقتصر على الله تعالى، يقول في كتابه مخاطب النبي: "ليس لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ". وقد بين دور النبي بوضوح من خلال آياته، فهو مبلغ، ومبشر. ونذير، ومفصل. يُعلم الناس الكتاب والحكمة. وعليه لا حجية الأحاديث النبي مطلقا في غير الأحكام الشرعية الواردة في الكتاب المجيد. ووجود الحكم الشرعي في القرآن يعد شرطا لحجية قول النبي الكريم، عندما يكون تفصيلا وبيانا له. وبالتالي لا شك في حجية قول النبي فيما يخص تفصيلات الأحكام الشرعية المبينة في الكتاب الكريم. لكن الكلام حول غيرها من أحاديثه وسنته. ومطلق سيرته "قوله وفعله وتقريره"، فهل هي حجة مطلقا أم لا؟)[8].

            وفي نقده منطق نزع القدسية والأسطرة عما هو خارج عن السنة النبوية الشريفة المحتكمة والمتساوقة مع معطى النص المقدس القرآني التشريعي. وسحب عن السنة النبوية الشريفة حاكميتها وقضاءها على كتاب الله! بما يمنح نقدها وإعادة قراءتها من جديد وفق المعطى الواقعي الراهني. كما ينزع عن رواتها صدق مروياتهم بما يدخلها في منطق الشك، حيث يتساوى في قراءتها السلف والخلف. ولا يكون الفضل للسابق عن اللاحق بما يكمم الأفواه الناقدة. كما في نقده للسنة إشارة سيميولوجية، تفيد رفع المثالية المتعالية حد الملائكية عن الصحابة رضوان الله عنهم.

            وردفا على قضية المرأة التي خصص لها مساحة متميزة من فكره التنويري، نجد رؤيته لهذه القضية المحورية في عصرنا الحاضر، بما أن المجتمع لا تستقيم حياته دون نصفه الجنسي الآخر. وهو موفق في رؤيته التي يجب أن تبنى على فهم صحيح للنص القرآني في ظل حقوق الإنسان وتحرر الفكر الإسلامي من الجاهلية. ذلك:

(المرأة مقياس تطور المجتمع، وقمعها أحد علامات تخلف المجتمع، حيث تعيش المرأة مسلوبة الإرادة والاختيار، تفرض عليها قيم بائسة، تحرمها أبسط حقوقها، وتقصي قدراتها الخلاقة، فتحرم المجتمع نصفه. بينما تعيش المرأة في الغرب إنسانا كاملا في كل مرافئ الحياة، في الحقوق والواجبات. فالمطلوب تكريس ثقافة تعيد الثقة للمرأة كي تمارس دورها في المجتمع، وتمنحها الثقة لتواصل الحياة عضوا فاعلا ونشطا أسوة بالرجل. خاصة وللمرأة دورها البناء في تربية الجيل، وزرع الثقة فيه وصدق الشاعر حافظ إبراهيم، حينما قال:

الأم مدرسة إذا أعددتها                        أعددت شعبا طيب الأعراق

              إضافة الى ما تقدم من مظاهر التخلف في مجتمعاتنا هناك؛ عدم الشعور بالمسؤولية، التمرد على القانون، الإسراف، قيم التفاضل في المجتمع القائمة على أاسس غير إنسانية، بينما المنطق القرآني يحصر التفاضل بالتقوى: "أن أكرمكم عند الله أتقاكم". الحس الطائفي والقومي ... إلى غير ذلك)[9].

فهو من هذا المنطلق الذي يركز على إعادة فهم فقه المرأة وفلسفة وجودها في المجتمع من منطلق نقدي وعقلاني ( يؤكد على توظيف الخطاب الديني العقلاني، وقيم الحضارة الحديثة، والقيم الأخلاقية والإنسانية، لإعادة تشكيل وعي الرجل بالمرأة، وانتزاع اعتراف حقيقي بإنسانيتها، يضعها على قدم المساواة معه. للتخلص من منطق المنة والشفقة والتكرم والتفضل المستوطن وعي الذكر في تعامله معها)[10].

تنطق هذه الأمثلة بمشاكسة ماجد الغرباوي ونقده للسرديات الكبرى للنص الديني خاصة منه التراثي، تحريرا للعقل المسلم من سلطتها وقدسيتها وأسطرتها، بما يستحضر نقد البعد التاريخي المؤدلج المنتج للمعنى وظلاله الديني، لغاية فتح آفاقا واعدة عقلانية لفهم الدين فهما صحيحا كقيمة إنسانية لا كسلطة فوقية تقتل الإنسان.

4 ـ نحو آفاق جديدة في مشروع ماجد الغرباوي النقدي:

مشروع ماجد الغرباوي النقدي في جوهره مشروع تنويري وتحرري للفكري والروح،  ينفتح على آفاق واعدة، تؤطره بعض العلامات الاستفهامية من قبيل:

ـ الاغتراب الديني للمجتمعات الإسلامية، سواء بارتداد للماضي، أو باستمراره في الحاضر، أو بمفارقة الماضي عن الحاضر. أيكفي فيه المنهج التأويلي التاريخي لتجاوزه، أم يتطلب ذلك مشروعا اجتماعيا ثقافيا أوسع؟

ـ هل تشريح وتفكيك السلطة التأويلية التقليدية كاف بدرجة كبيرة، أم يجب بناء سلطة معرفية جديدة تتجاوز الفردية النخبوية والمؤسسة المتعالية والسلطة المتسلطة؟

ـ بناء على واقع الحال وما يؤول إليه كل يوم من ترد؛ هل يستطيع الفكر النقدي الديني أن يحدث أثرا عظيما وكبيرا وعقلانيا في مجتمعاتنا التي مازلت لم تبرح القداسة والأسطرة، وتجرم النقد الديني باسم الدين والأسطورة والقداسة؟

ـ في ظل عقل خرافي، أيمكن للفكر التنويري بأسئلته النقدية أن يؤسس للحداثة، ويعيد أنسنة الإنسان؟ أم يستدعي ذلك العمل على بناء عقل علمي من جديد؟

ـ هل يمكن لمشروع ماجد الغرباوي النقدي تجسير الفكر الديني التقليدي والفكر الديني الحداثي من أجل تخليق إصلاح ديني شامل؟ أم سيظل مشروعه صوتا نقديا مبحوحا على هامش البنية المهيمنة في الفكر الإسلامي، وفي المجتمعات الإسلامية؟

            مجرد أسئلة للمستقبل، قد تشق طريقها للتداول أم تنكفئ على نفسها صدى كلمات ...

ـ إلى الختم:

مشروع ماجد الغرباوي لا يمثل مجرد نقد ديني فحسب، وإنما مشروعا تحرريا للوعي الديني، يتعامل مع الدين كخطاب وبنية وسلطة لا كعقيدة فقط. إن مشروعه يطرح سؤال الأنسنة والحرية قبل سؤال الإيمان، ويمركز تحرير الإنسان غاية كبرى في جوهر كل تأويل. وتبقى آفاق المساءلة في مشروعه مفتوحة، وحتمية لاستمرارية دينامية الفكر الديني، بما يجنب الفكر الإسلامي التنويري إعادة إنتاج صيغ جديدة للمركزية التأويلية باسم التنوير نفسه.

وبالتالي تجدني أقف على الاشتباك النقدي المعرفي في مشروع ماجد الغرباوي النقدي من خلال مقاربته النقدية لجملة القضايا والإشكاليات الدينية، حيث خصص لبعضها كتبا مستقلة كتحرير الوعي الديني، والعنف والاستبداد، وإخفاقات الوعي الديني، وقضية المرأة ... وكل قراءة أو نظرة عقلية في منجزه الفكري تقبل إمكانية النقد.

المراجع:

ـ ماجد الغرباوي، مقتضيات الحكمة في التشريع، متاهات الحقيقة9، أمل الجديدة/مؤسسة المثقف العربي، دمشق/سيدني، سورية/استراليا، 2012، ط1.

ـ د. ماجدة غضبان وماجد الغرباوي، المرأة والقرآن حوار في إشكاليات التشريع، العارف للمطبوعات/مؤسسة المثقف العربي، بيروت/سيدني، لبنان/أستراليا، 2016، ط1.

ـ د. رمزي نعناعة، الإسرائيليات وأثرها في كتب التفسير، دار القلم/دار الضياء، دمشق/بيروت، سوريا/لبنان، 1390/1970، ط1.

ـ د. عبد السلام الخراز، السمات الأسطورية في بعض تفاسير القرآن الكريم؛ تفسير الخازن لسورة البقرة نموذجا، عالم الكتب الحديثة، إربد، الأردن، 2016.

ـ ذ. ماجد الغرباوي، النص وسؤال الحقيقة نقد مرجعيات التفكير الديني، دار أمل الجديدة/مؤسسة المثقف العربي، دمشق/سيدني، سورية/استراليا، 2018، ط1.

ـ ماجد الغرباوي وطارق الكناني، مدارات عقائدية ساخنة حوار في منحنيات الأسطرة واللامعقول الديني، دار أمل الجديدة/مؤسسة المثقف العربي، دمشق/سيدني، سورية/استراليا، 2017، ط1.

ـ ماجد الغرباوي، تحرير الوعي الديني، متاهات الحقيقة5، أمل الجديدة/مؤسسة المثقف العربي، دمشق/سيدني، سورية/استراليا، 2012، ط1.

ـ د. محمود محمد علي، العقلانية النهضوية في المنجز الفكري لماجد الغرباوي، العارف للمطبوعات، بيروت، لبنان، 1445/2024، ط1.

  - Le petit Larousse Illustré, Larousse, 2014.



[1] ماجد الغرباوي، مقتضيات الحكمة في التشريع، متاهات الحقيقة9، أمل الجديدة/مؤسسة المثقف العربي، دمشق/سيدني، سورية/استراليا، 2012، ط1، صص.:255 ـ 256.

* من خارج النص.

[2] د. ماجدة غضبان وماجد الغرباوي، المرأة والقرآن حوار في إشكاليات التشريع، العارف للمطبوعات/مؤسسة المثقف العربي، بيروت/سيدني، لبنان/أستراليا، 2016، ط1، صص.:27 ـ 28.

[3] د. رمزي نعناعة، الإسرائيليات وأثرها في كتب التفسير، دار القلم/دار الضياء، دمشق/بيروت، سوريا/لبنان، 1390/1970، ط1، ص.:223.

[4] . عبد السلام الخراز، السمات الأسطورية في بعض تفاسير القرآن الكريم؛ تفسير الخازن لسورة البقرة نموذجا، عالم الكتب الحديثة، إربد، الأردن، 2016، ص.:37.

[5] انظر:

- Le petit Larousse Illustré, Larousse, 2014,p. :763.

[6]  ذ. ماجد الغرباوي، النص وسؤال الحقيقة نقد مرجعيات التفكير الديني، دار أمل الجديدة/مؤسسة المثقف العربي، دمشق/سيدني، سورية/استراليا، 2018، ط1،  ص.: 151.

[7] ماجد الغرباوي وطارق الكناني، مدارات عقائدية ساخنة حوار في منحنيات الأسطرة واللامعقول الديني، دار أمل الجديدة/مؤسسة المثقف العربي، دمشق/سيدني، سورية/استراليا، 2017، ط1،  ص.: 149. في جواب عن سؤال الأستاذ طارق الكناني رقم:32.

[8]  ماجد الغرباوي، النص وسؤال الحقيقة نقد مرجعيات التفكير الديني ، مرجع سابق، ص.:292.

[9] ماجد الغرباوي، تحرير الوعي الديني، متاهات الحقيقة5، أمل الجديدة/مؤسسة المثقف العربي، دمشق/سيدني، سورية/استراليا، 2012، ط1، ص.:390.

[10] د. محمود محمد علي، العقلانية النهضوية في المنجز الفكري لماجد الغرباوي، العارف للمطبوعات، بيروت، لبنان، 1445/2024، ط1، ص.:31.

بخة عطر على معطفي

  بخة عطر على معطفي عبد العزيز قريش الإهداء (إلى من تسكن عطري، وتترك في أنفاسي خريطة الوطن، وفي قلبي شرفات الرجاء ...) حبيبتي؛ أعش...