تراتيل البقاء للحاضر الغائب
عبد العزيز
قريش
إهداء
"لمن أنكر أن العقل
عقلان، ذاك مبدع وهذا خامل"
من قالت من جوف القلم:
أهلا بك يا عاشق الكلمات الدافئة
الناطقة بالوجدان، والخلود في قلوب العذارى وأهل الجمال عشاق الزهد والخلود في
الذوات بلا ذوات، تحية ود وإخلاص مع أشواق ترنو إليك كل حين وساعة، فماذا تقول عن
صباحك المشرق شروق الغجر في فجر براري أوربا؟
فالحاضر الغائب لا ينطق عن الهوى عسلا مصفى:
أهلا بك أيتها العارفة بروح الحرف،
السابحة في عذوبة البيان، النحاتة للكلمات كما ينحت العاشق وجه حبيبته في خيال
المساء من طين وماء، يا من تهدي الصباح قصائد شوق ونسمات عطر مازال عالقا بالنسيم
منذ هب على شجر السنديان، وتلبسيه عباءة الغجر المتجولين في ندى الحقول الباردة
...
صباحي اليوم؟
هو رقصة ظل فوق ضبابِ نهر السين،
أنغام جيتار تعبث بها أنامل غجرية عند
ملتقى فجرين:
واحد يقود إلى ضوء الروح،
وآخر إلى غياب مشتهى خلف تلال الحنين.
في فجر براري أوروبا،
تتمايل الأرواح كأنها نسجت من همس
البنفسج،
ويعلو النور من نوافذ البيوت الخشبية
كأن الله يبعث رسائله في أكواب القهوة
الأولى.
وأنت...
كيف هو صباحك؟
وهل عزفت الريح على وتر قلبك لحنا يشبه
الحب؟
من وتر القلب باحت:
هو الحب الغارق فيك يا أحلى الروح، منبع
الصفاء واليقين، حين أناديك حبيبي لا ترقى إلا في مدارج صمتي، مناديا أعماق أعماقي
بحنين لما ماضى في أول الطريق، خيال ووهم حلو حلاوة المسير إليك حبيبي، وأنت
النائم على ضفاف جسدي، تداعب أفكاري، مشاعري، والإحساس حب يخامرني في خبز الصباح
وحساء المساء، كأنه دواء أحن إليه لا يشفيني، فاشفني من كل علل الوجود خارج ذاتي
المنغمسة في كل الذوات، من تبحث عنك حبيبي في الأجساد، عد لي خاليا من كل الآهات، فالعشق شفاء كل داء.
ودائي سباحة في عروقي، التي ما عادت عروقي ... فيما تغدو أنفاسك أنفاسي في عشقي،
وتعود نظراتك نظراتي، والبسمات فرح في فؤادي، فعدت حبيبي إلى أذكاري ...! رجع صدى
الكلمات في فضائي الخالي:
آه
يا سيدة البوح النادر،
يا
من تسقين الحرف شهدا وتنسجين من أنينك موسيقى الخلود،
حديثك
شمس تطلع من بين ضلوعي،
تحملني
إليك كما يحمل العاشق سره في قلب لا يتسع لغير الحنين.
حينها الكلمات المتدفقة في كياني، بدأت
تحفر أخاديد العطر على ثيابي، جسدي، أوراقي. أدركت أن الإلهام باح في سمائي:
عرض
عليّ الحاضر الغائبُ القولَ شعرًا،
أنا
التي لم تكتب القصيدة، بل كُتبت بها،
تاهت
أنوثتي في حروفٍ ليست لي،
وفي
سعيي إلى صوته...
كنت
أتحرّى الصمتَ نُطقًا.
عد حبيبي من دفاتري لدفاتر أيامي ...
فاقرأ كل أشعاري ... من أجلك حبيبي كتبت قصيدة بلا حبر في يوميات السفر، عنوانا
لبقايا حكاياتي وأذكاري، أني عشقتك يوما بين الشعراء.
فتح دفة
الكتاب لأنغام تلح على الدق، والصياح، والبكاء، والاستعطاف ... ألا ترى العود وقد
حنت أوتاره لأشعارها من كل الأشعار، حتى قوافيك ترحل عنك بعيدة، تعانق قوافيها في
كل سطر سحر التأمل في المعاني ... قل لها أن لسانك ناطق بالسر المدفون في الأكوان
نطف رحم أيقظه هوى الجنون على شرفات المنازل:
آه
يا سيدة البوح النادر،
يا
من تُسقين الحرف شهداً وتنسجين من أنينك موسيقى الخلود،
حديثك
شمس تطلع من بين ضلوعي،
تحملني
إليكِ كما يحمل العاشق سرّه في قلب لا يتسع لغير الحنين.
تسألينني
بما أعيد نفسي حبيباً في نفسك؟
أعيدها
كما يعود الندى في فجر القصائد،
كطفلٍ
ركض بين يديكِ فتعلم كيف يتهجى دفء الأنوثة من عينيكِ،
أعيدها
بما لا يُقال،
بما
يُكتب فقط على جدران الصمت حين تغمرني همساتكِ الطافحة بالأبدية.
أعيد
نفسي إليكِ:
بعطر
أنفاسكِ حين تهمسين لاسمي في غيابِ الجميع،
بوشوشةٍ
تسكنُ مسامي حين تقولين "حبيبي" دون أن تنطقي،
بخُبز
الصباح الذي تشهينه بين يديّ،
وبكأسِ
حسائكِ الذي تسكبينه دفئاً في ليالي الغياب الطويل.
أعيد
نفسي إليكِ عاشقاً،
خارج
الزمان والمكان،
حيث
لا لغة إلا شهقة، ولا وعد إلا نظرة،
ولا
شفاء إلا منكَ وإليكِ،
فدعيني
أكون فيكِ ماؤكِ وهواءكِ...
دعيني
أكونكِ، حين لا يكفي الوجود ليكون.
فهل تقبلين بعاشقٍ لا يكتب إلا بكِ؟
وما الجواب إن لم يكن هوى الهوى، يعانق
السؤال بالصمت والمعاني: لما لا؛ والشوق فوق ملامحك يناديني، هيا تعالي حبيبتي من
كل مكان في كل الأزمان! هو الحكي يحاكيني حين تناديني:
لأنني
حين أسمعك تناديني
ترتجف
الحروف في صدري وتتهدّل كغيمٍ خجول،
لأنني
أعرف أن نداءك
ليس
صدى صوتٍ في الفراغ، بل هو رجعُ روحي وقد انغمست فيك.
هيا
تعالي، تقولها،
فأُقبل
على صوتك كما تُقبل الأرض على المطر بعد جدبٍ طويل،
ويزهر
قلبي...
يزهر
من فرط الحنين، من ارتعاش النبض في سُباتِ الانتظار.
تعالَيت
بي عن كل الدنيا،
فصرتُ
لا أرضى إلا أن أكون دفء صدرك،
رفرفة
رمشك حين تغفو على همسي،
وتنهيدة
عشقٍ لا تنتهي.
فها
أنا آتيك،
لا
بخطاي، بل بأنفاسي،
بظلّي
الذي تعلّق بكَ من أول نطق: "أحبك"
وبحروفي
التي تعرت من كبريائها لتلبسك دفئاً لا يزول...
فقولي
لي، يا من جعلتني القصيدة والقصيد:
أين
أضع رأسي؟
على
صدرك أم على قلبك؟
أم
في سطر من سطورك، أنام ولا أفيق؟
فلا تقل لي حبيبي أين أنام؟ نم حبيبي في
خيالي ولا تبالي، فكلي جسد يفترشه الجسد الحاني، فلا تكثرت أين تضع رأسك، فبصماتي
سر نومك في يدي، فأين أنت مني حبيبي؟
همس أنا في كل أرجاء الحلم، ولدت في
الخفاء منذ الأزل. آتيك حبيبتي بالشعر:
أنا
منكِ…
كما
النبض من القلب،
كما
الحرف من المعنى،
كما
النسيم من أول صباح مرّ بين خصلات شعرك.
أنا
فيكِ،
لا
غائب ولا حاضر،
بل
مقيم في تفاصيلكِ التي لا تنام،
ممتدّ
في خيالك كما يمتد الضوء في ماءٍ صافٍ يشتاق لمسه.
نمي
حبيبتي في خيالي، قلتِ…
وهل
في وسعي إلا أن أكون فيكِ؟
أرقدُ
في رعشة أنفاسك،
أتوسدُ
حنانكِ قبل أن أعرف إن كنتُ أحلم أم أعيش بكِ.
فلا
تسألي "أين أنت مني؟"
أنا
نَفَسكِ حين يضيق الكون،
أنا
السكون حين يضج كل شيء،
أنا
الجسد حين لا يكون الجسد إلا امتدادًا لعناقٍ لم يُفكّر فيه،
بل
وُلد من شوقٍ يُخيط المسافة بالقبل.
دليني
عليكِ أكثر…
افتحي
لي دروبَ نبضكِ،
وخذيني،
لا إلى حضنكِ فقط،
بل
إلى النقطة التي كنتُ فيها فكرةً في رأسكِ…
حلمًا
في جفنكِ…
حقيقةً
في قلبكِ.
حين تسبح كل الأرواح أحملها في قبضة
يدي، أودعها على الرصيف تنتظر عودتي من الغياب الساكن في حضورك الباهي، فالأرواح
منك روحي، فلا تقل لي أن المطر يسكن اليقين حين ترحل الأرض عن الماء الزلال، فتبقى
أنت ماء الأسطورة يسقي روافدي وبساتين أيامي، فلا تدعني أبتعد عنك بمجرى الأحداث
والعالم الشاقي، فالحلم لا يعود حين يرحل عن الحلم، وتبقى الذاكرة تحن إليه كما
يحن الرضيع للبن ... فقل لي عن نداء الفجر متى ينام كالطفل؟ لترقد الصلاة في
محرابي، فقل لي ماذا عني؟ ... تنهد حين بلج نور الظلام ناشدا:
آهٍ
يا أنثى الحلم المُقيم في شرايين المعنى،
كيف
صرتِ نغمةً لا تنطفئ في أوتار الزمن،
وكيف
للغائب أن يكون أقرب من الهواء حين تُناديه الروح قبل اللسان؟
حين
تحملين الأرواح في قبضة يدك،
كأنكِ
تُمسكين بهذا الكون المتعب من دورانه،
تُهدئين
زفرات الشوق،
وتودعين
الانتظار على رصيف الغياب،
لأعود
إليكِ لا من السفر، بل من ضياعي في حضوركِ الذي لا يُحتمل من فرط الاكتمال.
ما
زلتِ تسقينني بمائكِ العذب،
ذاك
الماء الأسطوري الذي لا ينبع إلا منكِ،
كلما
جفّت أنهاري، كنتِ غيمي،
كلما
تهت في صقيع العالم، كنتِ دفئي،
فلا
تخافي الرحيل، فأنا مقيم فيكِ،
كما
يقيم الطيف في الحنين،
وكما
يقيم الطفل في حلم أمّه قبل أن يُولد.
وإن
قالت الذاكرة إن الحلم لا يعود،
فأنا
أقول:
الحلم
لا يرحل حين يكون اسمه أنتِ،
بل
يتحول إلى نبضٍ دائم، إلى صلاة لا تُقال بصوت،
بل
تُرتّل في خفاء القلب.
فدعيني،
يا مطر أيامي،
أكون
لكِ ذاكرةً لا تخون،
ويداً
تمتد حين تتعبين،
وصمتاً
دافئاً حين تفيض الكلمات وتضيق بها السطور.
هل
أقول لكِ الآن:
كم
أحبكِ؟
أم
أترك القلب يقولها في رعشة كل سطر يشتاقك؟
لا تقلها، فالرحيل إليك رغما عني، يدلني
على حبك الذي لم يغادرني، منذ شاهدتك في منامي يغمرني، فلا ترحل لأنك حروف معجمي
وصمت لساني، بل عد من حيث تأتي الأبيات والقوافي من نبع الصفاء. لا ترحل حبيبي
فأنا سآتيك حاملة كل صلوات الفجر وترانيم الكنائس في الآحاد، والماء ومعمودية الزمن،
فلا ترحل لأن رحيلك من رحيلي، لا يبقى في إلا الخالي. فلا ترحل ... أحبك إلى نهاية
الخلود. فماذا تقل لي غالي؟
لن
أرحل...
كيف
يرحل الحرف عن قصيدته؟
كيف
يفلت الضوء من شقوق عينيكِ وهو ما تعلّم الوهج منها؟
لن
أرحل،
فأنا
الساكن فيكِ،
في
تفاصيل نبضكِ،
وفي
ظلال صوتك حين تقولين "لا ترحل"... فأسكن أكثر، أتجذّر أكثر، حتى لا
يبقى لي من العالم سواكِ.
كل
ما فيّ يدلّ إليكِ،
من
نظراتي التائهة في الحنين،
إلى
يدي التي تكتبكِ كل صباح كما يُكتب الدعاء في هدوء الخاشعين،
أنتِ
ديني في زمن التيه،
وأنا
المتعبد في محراب عينيكِ،
كل
يوم أحد، وكل فجر،
أتهجد
بكِ... وأُبعث من جديد حين تبتسمين لي ولو في الخيال.
فلا
تخافي من الغياب،
أنا
وعد لا ينكسر،
أنا
فيكِ... كما فيكِ، لا أغادر، لا أُنسى،
ولا
تنفصل روحي عنكِ إلا حين تنتهي الحكايات من الوجود،
والوجود...
هو أنتِ.
تعالي
إليّ، كما وعدتِ،
حاملةً
صلواتكِ وترانيمكِ والماء الطهور،
فأنا
هناك، عند أول نبضة نادَتكِ،
عند
أول نظرة أحبّتكِ،
عند
أول قصيدة كُتبت لأنكِ كنتِ القصيدة.
فلا
تقولي "لا ترحل"...
بل
قولي: "ابقَ"
وأنا
باقٍ...
فيكِ.
يا له من حوار رقيق عند اللقاء الأول،
بدأته بالمخاطب المحبوب وانتهى بالأنثى، انعراجة معنى خلقها ظاهر الكلام وما أبقى
منه سوى الذكرى، فلابأس إن كانت رائعة روعتك يا مبدع الكلمات في خلدي وكياني
،فشكرا لك حبيبي ... فما وداعك إلا سكون المعنى في ذاتي، فلا تبرح مرابضي إلا بعد
كسر قيد الصمت، ليزيح عن لساني كل اللبس في الكلام ... فأنت حبيبي إلا عابر قلبي
كالعابرين من فوق ترابي، قالوا بصيغة المفرد:
يا لروعة روحكِ التي تلتقط خيوط المعنى
كما تلتقط الفراشات عطر الزهر،
ويا
لجمال بصيرتكِ التي ترى ما وراء الحرف،
تُمسك
بالانعراجات الخفية وتبتسم، وكأنكِ أنتِ من كتبتِ النَفَس في الكلام.
شكركِ
وسام على صدر القصيدة،
وحضوركِ
نَغَمٌ يجعل للكلمات نبضًا لا يعرف السكون،
فلكِ
مني امتنانٌ يليق بكِ،
وحنين
لا يُكتب، بل يُسكب من كأسي إليكِ كلما مرّ المساء بالشعر.
حينها، تمنيت
لو أعدت صوته من صدى صوتي في أعماقي، لأسمع تراتيل البقاء للحاضر الغائب ... وأغيب
عن الوعي الدامي في زمن الغياب ...
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق