مقاربة
ماجد الغرباوي النقدية للنص الديني
"من سلطة المقدس الديني والسياسي إلى أفق التحرر"
عبد العزيز
قريش
النص الديني سواء أكان هنا نصا مقدسا أو
نصا تراثيا أو نصا حداثيا، لا تستبعد احتمالية النصين الثاني والثالث للخطإ، بحكم
أنهما منتوج إنساني. المقرر فيه إمكانية الخطإ لجلب التصحيح، وفي ذلك تطوير للنص
الديني التراثي والحداثي ليستقيم مع التاريخ والواقع، ويفتح أوراقه الصفراء
والبيضاء على حيز الإمكان النقدي الديني.
والنقد الديني ضرورة حتمية إذا أردنا
تجاوز مطباتنا المتنوعة، ما تعلق منها بالفكر، أو الفعل، أو القيم، أو الماضي، أو
الحاضر، بما يمنحنا آفاقا للغد. ومن هنا سأنطلق من باب البديهة المنطقية التي تفيد
أن انحصار الفكر الديني الإسلامي ناتج عن انحصار عقلنا وانغلاق نوافذ عدة في كفاية
التفكير لديه. بما أنتج معوقات شتى في وجه نهضتنا الإسلامية. وتحت ظلالها، توجد
القديمة منها المستجدة، والمستجدة القديمة، ومن بينها يقع مبحث الإسرائيليات في
الفكر الإسلامي وثقافته، وعائدها السلبي على الفكر ذاته، ثم على الفرد والمجتمع
وجودا وحضورا في الفعل الحضاري.
فالإسرائيليات مثلا في التفسير، وتساوقا
مع الأسطورة بمفهوم الحقيقة المضخمة خياليا " كالمثالية المتعالية للصحابة
رضوان الله عنهم وعصرهم، التي تخرجهم عن طورهم البشري إلى الملائكي، أو كعصمة
الولي الفقيه التي تخرجه من إمكانية الخطإ إلى استحالته"، تجد لها موقعا في
معظم التفاسير خاصة منها التفسير بالمأثور. (والحق: أن ما في كتب التفسير من
المسيحيات أو من النصرانيات هو شيء قليل بالنسبة إلى ما فيها من الإسرائيليات، ولا
يكاد يذكر بجانبها، وليس لها من الآثار السيئة ما للإسرائيليات، إذ معظمها في
الأخلاق، والمواعظ، وتهذيب النفوس، وترقيق القلوب)[1]. وسأورد
هنا مثالا لا حصرا عن ذلك من (عدة نماذج من هذه الاسرائيليات التي أوردها مقاتل[ابن
سليمان البلخي، ت.: 150هـ/767م بالبصرة]* في
تفسيره وقد نقلها عنه بعض المفسرين مع بعدها عن روح الاسلام وهدي القرآن الكريم . ذهب مقاتل في تفسير الكرسي في قوله تعالى: "وسع كرسيه السموات
والأرض" مذهبا أقرب ما يكون إلى الخرافة، فقال ما نصه: يحمل الكرسي أربعة
أملاك، لكل ملك أربعة وجوه، أقدامهم تحت الصخرة التي تحت الأرض السفلى مسيرة
خمسمائة عام، وما بين كل أرض مسيرة خمسمائة عام، ملك وجهه على صورة الإنسان وهو
سيد الصور وهو يسأل الله الرزق للآدميين، وملك وجهه على صورة سيد الأنعام وهو
الثور، يسأل الرزق للبهائم، وملك وجهه على صورة سيد الطير وهو يسأل الله عز وجل
الرزق للطير، وهو النسر، وملك على صورة سيد السباع وهو الأسد وهو يسأل الرزق
للسباع. ولم يذكر مقاتل الإسناد الذي اعتمد عليه، بل أورد الأثر محذوف الاسناد مع
أنه من السمعيات التي لا تقبل إلا إذا وردت في القرآن أو رويت عن المعصوم صلى الله
عليه وسلم .وقد أورد الملطي في كتابه "التنبيه والرد"، الأثر
الذي ذكره مقاتل وأسنده إلى وهب بن منبه. وهذا يؤكد
أنه من الإسرائيليات التي أخذها مقاتل عن أهل الكتاب)[2].
(لم يسلم تفسير الإمام الطبري على
جلالته وأهميته من الروايات الإسرائيلية، وهذه من المؤاخذات التي يقرها المفسرون عليه
من بعده. وقد أخذ على تفسير ابن جرير أنه يذكر الروايات من غير بيان وتمييز
لصحيحها من ضعيفها، حيث يأتي ابن جرير بأخبار وروايات من القصص الإسرائيلي، وقليلا
ما يتعقبها بالبحث والنقد، هذه الروايات يسندها إلى كعب الأحبار، ووهب بن منبه،
وابن جريح)[3].
وعجائب وغرائب الخرافات والهمروجات لا تنتهي عند حد، تروى على المنابر في خطب
الجمعة من أهل النقل ودعاة السنة، كالأحاديث الموضوعة والمنقطعة والمرفوعة؛ فقد
ورد في بابه حديث موضوع مرفوع، وهو ما روي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: (الأرض على الماء، و الماء على صخرة، والصخرة على ظهر حوت يلتقي حرفاه
بالعرش، والحوت على كاهل ملك قدماه في الهواء)[4]. كيف
لكتب دينية يأخذ القوم منها دينهم وعقائدهم وعباداتهم تكون بهذا الخيال الأسطوري
الإغريقي وميثولوجيته؟ التي أرى وجه تفسير الكرسي السابق في مرآتها، منعكسا في
الإثنا عشر إلها، وهم:
زيوس "Zeus"
ملك الآلهة، وإله السماء والرعد والعدالة. وهيرا
"Hera"
زوجة زيوس، وملكة الآلهة وإلهة الزواج والنساء والعائلة. وبوسيدون "Poseidon" شقيق زيوس، وإله البحار والزلازل
والخيول. وهاديس "Hades"
شقيق زيوس، وإله العالم السفلي والموتى، وأثينا
"Athena"
خرجت من رأس زيوس بكامل درعها، وإلهة الحكمة، والحرب الدفاعية، والحرف. وأبولو
"Apollo"
توأم أرتميس، وإله الشمس، الموسيقى، الشعر، النبوءة، والشفاء، وأرتميس "Artemis"إلهة
الصيد، والحيوانات، والعذرية، والقمر. وآريس "Ares"
إله الحرب والدمار والمعارك العنيفة. وأفروديت
"Aphrodite"
إلهة الحب، والجمال، والرغبة. وهيرميس "Hermes"
رسول الآلهة، وإله التجارة، السفر، السرعة، واللصوص. وهيفايستوس "Hephaestus" زوج أفروديت، رغم قبحه إله النار،
والحدادة، والصناعة. وديميتر "Demeter" إلهة الزراعة، والحصاد، والخصوبة.
وفيها آلهة أخرى يطول المقال بها من حيث نروم الاقتصار. أليس هذا مدعاة للنقد
الديني لكتب مدحت في التفسير واشتهرت بصحة معارفها وحقائقها؟
ومن هذه الإسرائيليات الواردة في تراثنا
الديني، أنطلق إلى ضرورة وحتمية النقد الديني لغربلة هذه الشوائب، التي زعم الكثير
من المفسرين الأخذ بها في باب الإخبار التاريخي والأخلاق والتهذيب النفسي ... مع
تبيان مصدرها وضعفها. فكيف لمفسر أن يرضى في ما يفترض فيه العلمية والدقة
والمنهجية والصدق والحقيقة إدراج مثل هذه الترهات في تفسيره! أيجوز أن نستغفل
الناس؟ ونمهد لتجهيلهم وتستذجهم؟ لذا؛ وجدنا العديد من النقاد الدينيين يكتبون
المطولات في شأنها حتى يعي الناس ما في كتبهم من أساطير بمعناها الدارج عند العربي
والمسلم ومعاجمهم اللغوية، وهو الخرافة. ومن بين هؤلاء المفكر التنويري ماجد
الغرباوي الذي يسلك في مقاربته النقدية للنص الديني استحضار منطلقات الاشتغال
كالبعد الميتافيزيقي والفلسفي، وعدم منع قداسة النص مقاربته وفهمه، وقدسية المنطوق
الشرعي محصنة بحدود ما ورد في كتاب الله تعالى، بمعنى قابلية نقد ما لم يكن محصنا
بحدود ما ورد في كتاب الله، وهو ما يمنح النص الديني خصوبة وثراء وعمقا وتأويلا
وحفرا في مضمراته، ومنطق الحق والمبادئ الأخلاقية في التناول، واستحضار الواقع في
تناول النص وفهمه، وفعلية الموضوع، والمنطوق الشرعي التشريعي حكر على رب العالمين،
بما يفيد أن المنطوق الشرعي التشريعي الذي لم يصدر عن الله قابل للنقد كما قابل
للرفض، والمنطوق الشرعي لا يسع الواقع ولا يغطيه مما يستدعي الاجتهاد وفتح الآفاق
للواقع أن يصحح ويوسع هذا المنطوق، والاعتراف بالوحي والنبوة ... وأما الآليات
فتتنوع في مشروعه كالمنهج التاريخي، والتأويل، كما يوظف من بعيد الظاهراتية/الفينومينولوجيا.
من خلال أدوات تحليلية متنوعة وغنية تتقاطع مع المنهج الظاهراتي، فهو لا ينتمي بالمباشر
إلى هذا التيار الفلسفي. لكن يظهر اشتغال تلك الأدوات بوضح في تناوله ظاهرة
التدين، فهو لا يحلل البنى الخارجية للنصوص الدينية، أو أنساقها السلطوية فحسب، بل
يذهب عميقا في خبرة المتدين الذاتية، من حيث كيفية تشكيل المقدس ظاهرة معيشة الوعي
الفردي والجمعي. وبذلك يقترب من المنهج الظاهراتي الذي لا يستغرقه كفلسفة ونهج.
فتوصف التجربة في ظل تغييب الأحكام المسبقة، والمقاربات الخارجة عن الذات حين
حضورها، فتتجلى التجربة بكل وضوح للذات.
وتظهر هذه الرؤية في عناوين كالتدين،
والمواقف، والاجتهاد، والعقل ... فمظاهر وتجليات التدين يحللها ويقاربها نقديا
كخبرات وجدانية إنسانية تتفاعل مع الخطاب الديني، وليس كاستجابات آلية لشرطيات
المقولات الدينية، أو انعكاسات مباشرة للنصوص. في المقابل تحلل القداسة، والطقوس،
والإيمان ... تجارب وجدانية وشعورية داخلية لا مجرد طقوس خارجية، تشكل الوعي،
وتعيد إنتاج السلطة الرمزية من جديد. وهذا التموقع التحليلي يمنحه إمكانية مساءلة
البعد التأويلي للمقدس انطلاقا من الذات، وهو ما يضفي على نقده بعدا أنثروبولوجيا
وفلسفيا يتجاوز المقاربات التقليدية للفكر الديني.
والرجل كذلك لا يخوض مغامرته الفكرية في
قراءة النص الديني من داخل عباءة التفكيك (لست مع متاهات التفكيك، غير أني أسعى
لأقصى ممكنات الغوص في أعماق الظواهر الاجتماعية والدينية لإدراك الحقيقة، وتقديم
قراءة موضوعية، تنأى عن المراكمة فوق ركام الخراب المعرفية ودوامة التخلف. وأطمح
لرؤية مغايرة وفق مبادئ عقلية متحررة من سطوة الخرافة واللامعقول وأوهام الحقيقة،
ورهاب النص وقدسيته)[5]،
ولا من المنظور الفلسفي المحض، ولا من القراءة العاطفية الذاتية غير الموضوعية، ولا
من باب المؤسسة الدينية الوعظية، الآمرة بالمعروف الناهية عن المنكر، منذ مأسسة
الدين، المعتمدة على امتداد التاريخ الإسلامي، بل ينطلق في ذلك، من أرضية مختلفة
ومغايرة للسائد عند أغلب المفكرين الدينيين، إذ، تؤمن بأن كل الخطاب الديني هو
منتج تاريخي بمعطيات تاريخية معينة متساوقة مع زمان ومكان وحدث الإنتاج، لا خطابا
ميتافيزيقيا متعاليا معزولا عن لحظته التاريخية، حاملا معنى ثابتا خالدا، خارج
منطق الزمان وسنة التغير.
قراءة النص الديني الأولى تكون وفق
المعطى التاريخي وسياق وقت الإنتاج، والقراءة الثانية تكون وفق المعطى الواقعي
لحركية المسار التاريخي للمؤمن الديني، بتعبير آخر تنطلق من الواقع/الخارج إلى
النص الديني/الداخل. وهي في طياتها تحمل فهم العلاقة بين الواقع والنص، المبني على
فهم ودراية حركة الواقع. وهنا تكون القراءة الأولى ـ إن انحصرت في ذاتها ـ منغلقة
على نفسها سكونية أو جامدة أو ماضوية ـ وتكون قراءة لا تاريخية. وهو ما وقع ويقع
في الفكر الديني الإسلامي ـ تتجاهل السياق التاريخي والاجتماعي والثقافي للنص،
وتتعامل معه ككيان مطلق، معزول عن شروط إنتاجه، فتجمد المعنى وتقدس الحرف وتقصي
الإنسان والتأويل المعاصر، و ترفع من شأن النص وحده، وتعتبر اشتغالها عليه هو
الثابت في تقديم الحقيقة، فتجمد بنيتيه اللغوية والموضوعية، وتضيف إليهما تجميد
الوظيفة والمنهج، وتفصله عن شروطه الواقعية.
تتخندق في واقع ثابت غير متحرك راكد، لا
تساءل الواقع ولا تتفاعل مع تحولاته ومتغيراته. فلا تنتج إلا نفسها بصيغ مترادفة
أو متناسخة، منطلقة من النص الديني لخارجه، بمعنى تكرار إنتاج نفسها بدعوى أنها
الحقيقة المطلقة، فتقع بطبيعتها في دائرة المساءلة النقدية، حيث (النقد هو الوحيد
القادر على تحدي النص في مراوغاته، خاصة مراوغات الخطاب الديني الذي تقتصر مهمته
على تسويق الحقيقة، وإقناع المتلقي بها، وترسيخها، وتحصينها، فمهمة الخطاب مهمة
أيديولوجية، تستبعد نقد ومراجعة الذات، وتكتفي بالعزف على وتر العواطف، وتزوير
الوعي بفعل العقل الجمعي وما تختزنه قبليات الفرد والمجتمع فالخطاب يمارس دورا
خطيرا حينما يتستر على حقيقة رسالته من خلال تقنياته واستراتيجياته في التأثير قد
لا يتفاعل المتلقي مع النص مباشرة، ولا يدرك أهدافه، وربما لا يترك أي أثر في
نفسه، لولا قوة الخطاب، وأسلوبه في تمرير ما يبدو أنها مسلمات. فالحقيقة الدينية
تراهن على قدرة الخطاب في ترسيخ الإيمان وإقناع المتلقي. وهو عندما يعجز في
الارتكاز للمقدمات العقلية والبرهانية، يبالغ في خطابه العاطفي والأيديولوجي)[6].
و(لیس ثمة ما يبرر قدسية التراث،
وتعاليه فوق النقد والمراجعة، مادامت جميع نصوصه، بما فيها النصوص الدينية،
تاريخية. كانت ناظرة للواقع، تعالج قضايا كانت مرتهنة لظرفها، وقد مر عليها قرون،
نصوص بشرية وعقول مفكرة مثلنا، لها غاياتها ومقاصدها. تتأثر بقبلياتها وثقافتها وإيديولوجيتها،
فهي غريبة عن واقعنا وإشكالياتنا ومعاناتنا وتحدياتنا. ينبغي الاستفادة من التجربة
التاريخية وتوظيف قيمها الإنسانية، والبحث عن مرجعيات تنجح في تسويات الواقع
وحاجاته. لكن لا إطلاق لها خارج ظرفها الزمكاني. إن أسطرة النصوص والرموز
التاريخية والدينية لا يغير من الحقيقة. كل ما صدر بعد وفاة الرسول نصوص ثانوية
بشرية تشتغل على المدونة الأولى فهما وتفسيرا، ومن الخطأ الاستسلام لها بدعوى القداسة
عندما تحجب النص الأول وتحل محله. وهذا ما يفعله العقل التراثي، فإنه يتخذ من
النصوص الثانوية/الروايات مرجعية أولى في فهم النص الأول/القرآن وكانوا يدينون أي
مقاربة للنص القرآني بعيداً عن الروايات. وهذا النوع من التفسير يتمسك به
السلفيون، ويسمى: التفسير بالأثر، حيث يغادر العقل، ويحرم الاجتهاد في التفسير بلا
دليل روائي. لا فرق في ذلك بين مذهب وآخر. نحن نعاني بشدة من قداسة الرموز
التاريخية وسلطتهم المفروضة على فهم النصوص. يضعون حلولا لواقعنا وهم في قبورهم.
يتعذر النهوض مع وجود عقول مرتهنة للماضي بكل حمولته، ويرفضون الاجتهاد مقابل النص
مطلقا، بدعوة قدسيته وعجز العقل عن إدراك ملاكاته. الأمر برمته مرتبط بالحداثة
ومناهج التفكير من أجل نهضة تمهد المجتمعات آمنة مستقرة، تتبنى القيم الأخلاقية،
وتسعى لضمان حياة حرة كريمة للإنسان. أو بعبارة أخرى: هدف التنوير استعادة مركزية
الإنسان وتحقيق التوازن الروحي والمادي، مما يستدعي تجديد مناهج التفكير، بعيدا عن
البنية الأسطورية أو القروسطية)[7].
وتبقى تلك القراءة المتعالية على النقد
والمراجعة بحكم جمودها وادعائها القدسية موقع صراع بين سلطة التأويل وحضور الإنسان
لتجاوزها ومخلفاتها الفكرية والثقافية والاجتماعية والتشريعية والسلوكية
والتربوية. التي تبقى معها بحكم كونها خطابا دينيا موجها للمؤمن والمجتمع وللتنظيم
السياسي والمعاملة البينية والعلاقات، لها سلطتها على المؤمن في الاتباع لا
الإبداع، وفي الطاعة لا العصيان، وفي التنفيذ لا التعطيل ... تبسط مساحات شاسعة
لفعل السياسة فيها، لارتباطها بالبعد الاجتماعي بالدرجة الأولى الذي يحتضن الناس
والأفعال والعلاقات والسلوك والقيم. فكانت مجالا لتدخل الإيديولوجيا كمرتكز للبعد
السياسي ثم الاستبداد الديني. (الإسلام ولد دينيا، وانتهى سياسيا. يظهر هذا جليا
من خلال التوظيف الدلالي للآيات لصالح الموقف السياسي، وترسيخ السلطة، ومرجعياتها
الفكرية والعقائدية، فتعددت دلالاته تبعا لزاوية النظر)[8].
بل، وكذلك اختلاق سنة تساير كل التيارات السياسية، وقرارات السلطان، بدليل الوقائع
التاريخية والواقعية في عصرنا هذا، التي تشدنا إلى التخلف. ويكفي أن تسمع شيخا
يفتي بعدم الخروج عن ولي الأمر، ولو رأيته يرتكب المنكر والرذائل والمحرمات على
شاشة التلفاز؟! ... قمة طاعة الديني للسياسي، وخدمته بثمن، أو بالمجان.
ومنه تلك القراءة المغلقة على نفسها
التي أنتجت معمارا فكريا معرفيا تقليديا، هي التي سمحت بتشكيل قدسيتها من النص المقدس،
لتوظيفها لصالحها ومصالحها كمؤسسة دينية ـ سياسية. وكان ذلك منذ عهد سقيفة بني
ساعدة، حيث (ما إن انتهت مرحلة نزول الوحي بوفاة النبي، بدأت مرحلة تأويل النص
المقدس، وتزوير الوعي الديني، بدوافع شتى، أخطرها السياسة حينما تفرض نفسها على
التأويل، فيغدو نصا جديدا، وتفسيرا رسميا يصادر النص الأول، ويعيد تشكيل الوعي ...
وكما أن ثنائية السلطة والمعارضة كانت وراء التمادي في تأويل الآيات وتزوير الوعي
ووضع الروايات. فأيضا كانت السياسة سببا أساسا في نشوء المذاهب والفرق، وتأسيس
مرجعيات فكرية وعقدية جديدة. وعندما دشن الخلفاء بنزاعهم على السلطة مرحلة الإسلام
السياسي، وتسييس الدين، أبقوا على قدسية النص، لشرعنة التأويل، فهو طاقة، يستمد
قوته من مرونة النص المقدس وثرائه ورمزيته، ويبقى القارئ ومهارته في توظيفه. ولم
ينته الأمر، بل كان هذا تأسيسا لوعي تأويلي جديد، يكتسب شرعيته من انتسابه لقدسية
النص)[9].
وهنا أسجل بمناسبة تسييس الدين؛ يجد التسييس أغلب الفقهاء والعلماء من طبيعة الدين.
فالنص المقدس ليس للعقائد والعبادات فقط، بل دستور سياسة، يسوس الناس في مجتمعهم
تنظيما وتشريعا وممارسة وقضاء ... لذا وضعوا ما يسمى السياسة الشرعية ببعدها العام
وهو تدبير الشأن العام بقواعد الدين وضوابطه. وببعدها الخاص وهو ما يصدره السلطان
من قرارات وتشريعات تهدف المصلحة العامة بما فيها درء فساد واقع وزجره، أو وقاية
من فساد متوقع ومحتمل، أو علاج وضع خاص.
وهذا البعد الخاص هو الباب الذي دخل منه الاستبداد السياسي إلى عقر دار
المسلمين، حيث هو الذي يلبس لبوس الدين من كونه يبحث في متغيرات المسائل والقضايا
التي تدور أحكامها بمتغيرات مناط الحكم فيها، أو تلك الأحكام والتشريعات والقوانين
التي صدرت، يخير ولي الأمر أو من ينوب عنه بينها تبعا للمصلحة. وبهذا الربط بين ما
هو ديني وما هو سياسي، تدافع عنه المؤسسة الدينية والمؤسسة السياسية، ويرفضان
الفصل بينهما، كما ذهب إليه حديثا الدكتور سعد الدين العثماني في كتابه: "
الدين والسياسة تمييز لا فصل" حيث يدعو إلى تمييزهما لا فصلهما في الحياة
العامة. وهنا؛ تتبدى لي علامات استفهام جوهرية: ألا توجد مصلحة فردية أو جماعية من
خارج التشريع الديني؟ ألا يمكن أن توجد في الموروث القيمي والأخلاقي والقانوني
والتشريعي الإنساني غير الديني؟ ألا يمكن اعتبار طرفي المعادلة الدين والسياسة
تلازم يفضي بالممارسة إلى الاستبداد؟ وفي هذه الحالة أين الدين من المصلحة العامة
والخاصة؟ أيمكن عزل النص الديني بالمطلق
عن الممارسة المجتمعية، ليبقى نقيا مثاليا ومتعاليا داعيا للمصلحة العامة
والخاصة؟ ...
وانطلاقا من تلك الرؤية التاريخية للنص
الديني؛ يقع الواقع في مركزها. الذي يجب أن تستحضره في مقاربتها فيما يتعلق بالنص
ومتعلقاته المتنوعة بما فيه القراءة التأويلية، وتشريع الأحكام وتدوين الأخلاق،
وتوجيه السلوك والعلاقات. ذلك أن (مراعاة الواقع يعد أمرا مهما في منهج مقتضيات
الحكمة، بل يجب مراعاته، لتوقف فعلية موضوع الحكم على فعلية جميع ما يرتبط به.
الواقع هو موضوع الحكم، ترتهن فعليته لفعليته، وعندما يتغير الواقع يتغير موضوع
الحكم، ومن ثم تتغير فعلية الحكم. لذا يفشل كل فقيه لا يراعي شروط الواقع وحاجات
الإنسان)[10].
وهو المسلك المنهجي الذي يشتغل به المفكر ماجد الغرباوي على النص، حيث (منهج
مقتضيات الحكمة القائم على فلسفة الأحكام وتأصيل العقل مقارنة بمنهج الفقهاء في
استنباط الأحكام الشرعية، وقدرة الأول على مواكبة الحياة والاستجابة للواقع ومتطلباته،
عكسا للثاني الذي يرابط في القرون الأولى من بعثة الرسالة، يلغي الواقع وضروراته
ويجرد الأحكام الشرعية من تاريخيتها. وكذا جرى الحديث عن الفارق النوعي بين الفقه
التقليدي الذي يعتقد بوجود علل خفية وراء الأحكام تقتضي الانغلاق على النص والجمود
على حرفيته وظاهره، ومنهج مقتضيات الحكمة الذي يؤكد قيام التشريع وفقا لمقتضيات
الحكمة: ما كان واجبا من أحكام الشريعة قد لا يكون كذلك الآن، وما كان محرما قد
يكون مباحا. الأول يرتهن شرعية الحكم لقدسيته فيمهد لتوظيفه أيديولوجيا وسياسيا،
بينما يرتهن الاتجاه الثاني شرعية الحكم لمبادئه وملاكاته، فيمتنع تكريسه خارج
سياقات مبادئه الأخلاقية)[11]،
المفكر ماجد الغرباوي انطلاقا من رؤيته
التاريخية للنص؛ يؤسس مقاربته النقدية على قاعدة جوهرية: أن الدين، كما وصلنا، ليس
فقط تجربة روحية خالصة، وإنما خطاب مؤدلج سياسوي، لخروجه من طبيعته الدينية إلى
طبيعة السياسة، فلم يبق في وظيفته الدينية الأولى، بل انتقل إلى الوظيفة السياسية.
تراكمت عليه طبقات من التأويلات السلطوية، حتى انفصل وانقطع عن نسغه الإنساني
الأصيل. فالنص الديني جاء لتحرير الإنسان من عبودية المخلوق إلى عبودية الخالق،
والذي من المفترض أن يكون معينا ومساعدا للإنسان على الحرية، تحول بدافع السلطة
السياسية وتواطئها مع السلطة الدينية، وبفعل التراكمات التأويلية الفقهية واللاهوت
السلطوي والسرديات الخيالية والأسطرة، وتمجيد الرموز الدينية ونقلها من بشريتها
إلى ملائكية مثالية متعالية لا يمكن مضاهاتها ولو اقتديت بها، وبذلك يخلو العصر
الحالي من أمثالها، وعليه الرجوع إليها في كل شيء! وبالتالي؛ نقل النص الديني إلى
أداة ترويض العقل وتدجين الوعي، وإقصاء كل سؤال نقدي يفتح الفكر الديني والقراءة
التأويلية المتحركة على إمكانات التجديد والاجتهاد والإبداع، والخروج من التخلف
الفكري والسياسي والحضاري. وإبقائه في دائرة الجمود والتحجر. وهو ما يناقض طبيعة
الأفكار، حيث طبيعة البنية اللغوية للنص القرآني، وطبيعة بنية الموضوعات القرآنية
كلتاهما (مفتوحتان غير منغلقتين. ولعل اتساع حدود التأويل ما هو إلا انعكاس
للأولى، وانطلاق الاجتهاد تعبير عن الثانية، وإن كان الموقف المحافظ قد حاول إغلاق
الدائرتين بإحكام وصل حد اختلاق ووضع الأحاديث النبوية، لكي تضع للنص القرآني
مفاتيح جاهزة لتفسيره وتأويله. وهو أمر ليس غريبا على كل المواقف في التاريخ، فما
أن تبدأ فكرة ثورية في السيادة حتى يتلقفها من يستطيع أن يؤطرها ويجمدها ويجعلها
تقف في مهب الريح تبعاً لعوامل اجتماعية أو سياسية أو مصلحية، فتبدو الفكرة جامدة
لا تتطور، وتبدو متراجعة إلى الوراء. لا شك أن الزمن يتجاوز كل الأفكار، فما يكون
متقدما في عصر يغدو متخلفا في عصر آخر، وما هو نقدي في زمن يبدو محافظا في زمن
آخر، فليست هناك فكرة واحدة صالحة لكل العصور)[12].
والعبث
السياسي بالدين ما كان ليقع لو لم تكن للفكر الديني الإسلامي قابلية ذلك، لما
أسقطوه من تأويلات وتفسيرات تساير غياب العقل وانتشار الخرافة والأسطورة في القول
الديني التراثي، وإبعاد النقد الديني عن الساحة الدينية. العاملان اللذان
استغلتهما الإيديولوجية لتتوغل في كل مفاصل الفكر الديني التراثي الإسلامي،
مستفيدة من النص المقدس الذي يمتلك البعد العقائدي المشكل للشخصية الإسلامية
الفردية والجمعية. والتي تضفي القدسية على كل ما يأتي من الدين وبعده الممتد عبر
المؤسسة الدينية، التي ترقى إلى الطاعة العفوية واللامفكر فيها. وما كان لخطابها
(الأيديولوجي أن يستغل النص الديني المقدس، لولا مرونته العالية. فمرونته قد فتحت
آفاق التأويل والتفسير تبعا لتعدد المقاربات الفكرية والعقيدية، لتأثر قراءة أي نص
بقبليات المقاربة، وقدرة القارئ على استنطاقه وتأويله. لذا يتوقف تفكيك أي خطاب
على نقد تلك القبليات والتحقق من مدى مطابقتها مع الواقع، وهي مسألة معقدة، تتطلب
تنقيبا وحفرا معرفيا داخل بنية الخطاب، لتحري أنساقه، وتحليل مقولاته. لكنه أمر
ضروري تتوقف عليه نهضتنا الحضارية)[13].
ولن يقع التفكيك دون نقد. والنقد الديني بؤرة يقوم عليها مشروع المفكر ماجد
الغرباوي.
فمشروعه، كما أعلنه في كتابه "نقد
الخطاب الديني" وباقي منجزه الديني الفكري، يسعى إلى فك الدوائر المغلقة،
التي حولت النص الديني إلى سلطة ميتافيزيقية تحكم الواقع من خارج التاريخ. وفتح
المجالات المسدودة من العلاقات والتأثير، من أجل كسر حدود انغلاقها الفكري
والمؤسسي، والتحرر منها، ومن مقولاتها النهائية، بغية الانفتاح على الواقع والآخر،
وتوسيع مجالات العقل والتفكير والتأمل الطويل والتأويل. لذا فكتابه النص وسؤال
الحقيقة، يدرج مشروعه (ضمن مشروع نهضوي طموح لاستعادة وعي الفرد بعد نقد العقل
الديني و مرجعياته المرتهنة في معارفها لقدسية التراث وأوهام الحقيقة، بعيدا عن
المناهج العلمية، والكشوفات المعرفية الحديثة. فالكتاب يلاحق البنية المعرفية
للعقل التراثي، لنقد مقولاته ومضمراته ويقينياته، وتحري مدى مطابقتها الواقع،
وصدقية النصوص المؤسسة لها. ولا يكتفي بالنقد والتفكيك والتحليل، بل يواصل حفره
وتنقيبه في بقع معرفية مستبعدة ومهمشة، تقع ضمن المتواري واللامفكر فيه، يتوقف على
استدعائها فهم الواقع ومعرفة الحقيقة. وكيفية اشتغال النص وفرض حقيقته ومحدداته،
خاصة التباس المقدس بالمدنس، والديني بالبشري، بسبب التباس المفاهيم وتزوير الوعي.
إن نقد النص هو تعبير آخر عن سؤال الحقيقة، وهذه إحدى مهام [مشروعه النهضوي]*
وهو يلاحق مرجعيات التفكير الديني بحثا عن مضمراتها، لفرز ما هو نسبي، وفضح
مراوغات النص وتقنياته في وجود الحقيقة، لاستعادة الوعي وإعادة تشكيل العقل وفق
نظام معرفي يرتكز للدليل والبرهان في معارفة وعلومه، من أجل نهضة حضارية نستعيد
بها إنسانيتنا، ونستنشق رحيق الحرية، بعيدا عن سطوة التراث، وأسطرة الرموز
الدينية)[14].
ويذهب بمشروعه النقدي إلى فتح الدوائر
المغلقة للخطاب الديني، لا بهدف تدميرها، بل لإعادة تشكيلها على أسس عقلانية
وإنسانية. وهو الذي يشير بوضوح إلى تغير الواقع، وتغير
الإنسان كذلك، مقابل بقاء القراءة السكونية المغلقة على ذاتها والتفسير على
حالهما، تكرر نفسها من خارج الوعي ـ مع الأسف ـ في حلقة دائرية منحبسة. لذلك؛ أولى
مهام مقاربته النقدية مساءلة البنية التأويلية ذاتها، لا باعتبارها خرقا للنص،
وإنما تحريا له من سطوة العصور الوسطى وميراثها الثقيل. ومن أهم المفاتيح الأساسية
والرئيسة لفهم مشروعه النقدي، يكمن في تحرير الدين من سلطة "المأسسة"
التي شكلت نفسها مؤسسة دينية لها تنظيمها وقواعدها ووظيفتها ومصالحها، ونصبت
انطلاقا من ذلك نفسها ناطقا حصريا باسم المقدس والغيب والحقيقة المطلقة، وصنعت ما
يسميه الغرباوي وجملة من النقاد الدينيين بـ"النص الثاني"؛ أي التراث
الفقهي والكلامي، وبما يفيد بشكل عام من دلالة على مجمل التأويلات والشروح
والفتاوى والمذاهب والاجتهادات التي فسر بها "النص الأول" /القرآن
والسنة النبوية الصحيحة، عبر التاريخ الإسلامي. المجمل الذي يزاحم على تمثيل النص
الأول، بل ويتجاوزه أحيانا في سلطته على المخيال الجمعي المفضي إلى قدسيته.
هذا؛ وعند بعضهم كما عند ماجد الغرباوي
النص الثالث، بما أن الثاني متعلق بالسنة النبوية الشريفة التي شرحت وبينت وفصلت
النص المقدس/القرآن الكريم، فـ (سرت قداسة الكتاب لسنة النبي، باعتبارها شارحة ومبينة
ومفصلة)[15].
والنص الثالث المتعلق بالشروحات والأقوال والتفسيرات والاجتهادات الإنسية، حجب
النص الثاني، و استولى على موقعه في الفكر الإسلامي وفي التشريع وتدبير الشأن
العام. وفي القدسية التي زعمها، والتي منحته سلطة القرار والقول معا، فـ (سرت
قدسية النصوص المقدسة للنصوص الشارحة، وراح النص الثالث، الشارح والمفسر، يحجب
النص الثاني، أو يجعل منه مرجعا مشروطا بفهمه، وباتت الحقيقة حكرا عليه، والخلاص
مقتصر على مقلديه وأتباعه)[16].
و(إن وعي المسلمين مرتهن للمقدس، لذلك الغموض الساحر، الذي يداعب مشاعرهم، يبعث
فيهم رهاب الحرية، والارتياب من العقل، والتوجس من التفكير، والاكتفاء بالانقياد
والتسليم. وعي العقل التراثي للمقدس رهان الفقيه في شرعية سلطته، فهو الأمين على
النص، والمسؤول عن شرحه وبيانه وفك رموزه وشفراته. وهو الوحيد المعني في استنباط
الأحكام الشرعية. فَسَرَتْ قداسة النص إلى الفقه رغم بشريته، وبات الوعي الجمعي
يُرادف بين الشريعة والأحكام الفقهية. الفقيه الناطق باسم الله. لا يحق لغيره ما
يحق له. لا يمكن للعقل مهما بلغ إدراك مقاصد الأحكام وملاكاتها، فيتعبد بها الفقيه
بعيداً عن العقل)[17].
وبما أن النص الثالث يمتلك هذه القدسية
والسلطة، فإن ماجد الغرباوي يدعو إلى مساءلته من حيث كونه لعب دورا كبيرا في
سكونية الفكر الإسلامي، وسكونية الأمة، من خلال سكونية المجال المعرفي والرمزي
للأمة. ونقل طبيعة الدين من ممارسة العقلنة والوعي والتحرر إلى أداة هيمنة رمزية
واجتماعية، وربط الإيمان بالطاعة العمياء، وبالتسليم، وتعطيل العقل، والاتباع
والاستضباع ... وهو يسعى إلى تحطيم قدسية النص الثالث وسلطته وسطوته على خلق الله،
بمنهجية تعتمد على تحرير الحاضر من الماضي عبر مقاربته تاريخيا، بتوظيف جملة من
المناهج الحديثة. وهو في مقاربته النقدية لا يهدف هدم وتحطيم النص الديني التراثي،
بل يسعى إلى إعادة قراءته قراءة تأويلية تؤمن بالحاضر مستفيدة من حسنات وإيجابيات
الماضي، ونقد مرجعيات التفكير الديني المرتبطة به. فالمشكلة تكمن عنده في طبيعة
النص الديني التراثي، وفهمه وتفسيره وتوظيفه، لا في الدين كوحي إلهي، وفي الفهم
المبتسر، الذي لا يفرق بين القضايا المطلقة والنسبية في النصوص المقدسة، ولا يفرز
الدين من الفكر الديني، الإشكال الذي يقود إلى تجريد التراث من تاريخيته والإذعان
لسلطته وأحكامه. حيث (يعاني الوعى الديني من التباس الإلهي بالبشرى عبر فتاوى
وأحكام اجتهادية نسبية تسوق على أنها تشريعات إلهية، تسلب الفرد حريته وإرادته
عندما تفرض عليه قبليات المجتهد، سواء كانت عقدية أم أخلاقية، وتفرض عليه مواقف،
يلتزم بها بدوافع دينية مهما تعارضت مع قيمه الإنسانية. ولعل الموقف من الآخر
المختلف، بما فيه المختلف الداخلي أوضح المصاديق. يعيش معها الفرد حالة اغتراب عن
طبيعته الإنسانية، فيحسب تصرفه تكليفا شرعيا قربة لله لتفادي تأنيب الضمير وقمع
شكوك الحقيقة وهي تدوي في أرجائه. فنقد آليات وأدوات ومرجعيات ومباني الفقـيه،
مهمة أخلاقية لاستعادة الوعي، كخطوة أولى للنهوض الحضاري. والاجتهاد أحد المصطلحات
الفقهية الخطيرة، ارتفع به الخطاب الديني حد الاصطفاء الإلهي، بعيدا عن حقيقته
وأساليبه في تزوير الوعى بل وتشويه القيم الدينية الأصيلة عندما يقحم الناس في
صراعات عقدية وسياسية تحت عناوين طائفية وأيديولوجية، ويعتبر فتاويه وأحكامه ملزمة
لأتباعه، ومبرئة للذمة، كما يكتبون في بداية كتبهم الفقهية عادة. أو عندما يشرعون
لأحكام تتعارض مع القيم الأخلاقية والإنسانية، كالحيل الشرعية، وتبرير أخذ الربا
بعناوين ثانوية، وحماية سلطة الاستبداد تحت شعارات طائفية ومذهبية)[18].
وما يميز كذلك مقاربة الغرباوي؛ أنها لا
تكتفي بالنقد الخارجي أو الإدانة الأخلاقية، بل تتسلح بمنهج داخلي يقرأ النصوص
الدينية ضمن سياقاتها التاريخية، ويعيد فتح الأسئلة المسكوت عنها حول العلاقة بين
النص والواقع، وبين الخطاب والمصلحة، وبين النص والسلطة، وبين النص والفقه، وبين
النص والسياسة والإيديولوجيا. وهي إشكالية قائمة بشدة في الفكر الإسلامي المعاصر،
وأخذت الكثير من الجهود المعرفية والأكاديمية والفقهية والسنين، وتتجلى بشكل واضح
وملموس في الفكر الديني الراديكالي، الذي يعيش انفصالا في الزمن، وغربة في الوجود.
فلم يعد مقبولا سحب الماضي على الحاضر بكل منطوقه الفكري والتفسيري والتشريعي،
وتجميده فيه. ويجب الخروج من مجال تقديس الماضي ورموزه، أو إعادة إنتاجه على حساب
الحاضر، أو من خلال الحاضر المخالف له في أغلب معطياته ووقائعه وأحداثه وإنسه.
لأنه لا يسلم الموروث التراثي الإسلامي بمنطق الواقع وبمنطق الطبيعة الإنسانية والسنن
الكونية من احتمالية الخطأ. ومهما جهد القدماء في تأسيس منطق ومنهج لقول الحقيقة
الدينية، فإن ذلك قد يخالف منطق الحاضر ومنهجه في قولها، وتدبيرها معرفيا وسلوكيا
وأخلاقيا بتقنين العلاقة بين المؤمن والنصوص الدينية. وهذه الحقيقة غير محصورة
فيما مضى أو فيما تراكم من معرفة دينية عبر العصور الإسلامية وبالأخص القرون
الأولى بعد النبي عليه وآله السلام. ورغم بعض الجهود التي حاولت تجاوز رؤية السلف
لما يقع في زمن الجمود الحضاري والعلمي والفكري، ظلت الرؤية المحافظة مع التيار
السلفي بالدرجة الأولى محافظة وموغلة في الجمود والتعصب، إلى نفي عقلية العقل،
والأخذ بالنقل في تعارضهما إن كان النقلي قطعيا والعقلي ظنيا. لا لعقلية القطعي
وإنما لقطعيته فقط. فعلة الأخذ القطعية لا عقلانية العقل ـ وما أدراك عظمة عقلانية
العقل حين تتجه نحو العلم والسبر الكون؟ ـ ويأخذ بالعقلي القطعي لا لعقلانيته،
وإنما لقطعيته فقط. وقد يكون العقل فاسدا! ولما ركز الرحمن سبحانه في كتابه الكريم
على العقل والتعقل؟ ولما دعاه للتفكر في الكون وما بث فيه من قوانين وسنن وقواعد؟
أليس العقل أداة الوصول إلى الله تعالى؟
وهنا؛ كأن تخوض في مسألة علمية محضة
غيبية لا يعلم بعمق حقيقتها إلا الله سبحانه، ولا يمكن لنبي بعظمة عقلية محمد صلى
الله عليه وآله وسلم أن يقول بها. وقد قال ربك العالمين: (أفلا ينظرون إلى الإبل
كيف خلقت)[19]
دعوة للعقل للنظر العقلي والعلمي والبحثي والتساؤلي في خلق الإبل، لكشف ما فيها من
أسرار الخلق وقوانين الوراثة والتخلق والولادة، ببعدي البيولوجي والفسيولوجي. وقد
ربطها رب العالمين مع قوانين أخرى في الكون تتكامل للبرهان على وجوده وألوهيته
ووحدانيته بقوله جل وعلا: (أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ *
وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ *
وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ * فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ *
لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِر)[20].
وليس النظر فقط إلى فوائدها الظاهرة من حمل أمتعة الناس الثقيلة ، وأكل لحومها، وشرب لبانها، وقد بعرها، واستعمال
جلودها، وباقي منافعها العظيمة كما عددها شيوخ الدين. وفي التركيز على المنافع
الظاهرة في تفسير الشيوخ والأئمة للإبل لمحة رمزية لنفي دعوة العقل إلى النظر في
خلق الإبل، بما يفيد تغييب العقل عن النظر. وأما ما عددوه من منافع ظاهرة فتحصيل
حاصل يلمس بالحواس. لا نظر عقلي فيها ظاهريا إلا من حيث شكل الإبل وهيكلها الذي
يتحمل الأثقال، والذي يمكن تقليده في الصناعات بعد دراسته علميا وهندسيا وفزيائيا،
وصلابتها في الصحراء.
كيف لرسول عظيم كرسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم يقول: أن الإبل خلقت من الشياطين؟ فكيف له أن يتعامل مع الإبل
وأصلها من الشياطين؟ والشياطين هم متمردة الجن حسب "ابن الباز"!؟ وكيف
له عليه وآله السلام يتخذ الناقة" القصواء" رفيقة درب هجرته، وقيل أن له
ناقة أخرى هي " العضباء". وقيل هما معا نفس الناقة على اختلاف القول؟
وكيف لرب العالمين تعالى علوا كبيرا أن يعضد نبوة صالح بآية الناقة وهي من
الشيطان؟ فأسئلة العقل هنا تدور في عقل العقل. ويأتي من يترك منطق العقل ومنطق
النظر في خلق الإبل، لصالح رواية ليست قطعية لأنها من خبر الآحاد. فقد أورد ابن
ماجة في سننه: (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا هشيم ، عن يونس، عن الحسن عن عبد
اللَّهِ بن معمل المربي قال : قَل النبي : صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في
أعطان الإبل، فإنها خلقت من الشياطين)[21]. وأدرج
في سنن أبي داود: (حدثنا عُثْمَانُ بنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ،
ثنا الْأَعْمَشُ، عن عَبْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ اللهِ الرَّازِي، عن عَبْدِ
الرَّحْمَنِ بنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِب قال: «سُئِلَ رسولُ
الله صلى الله عليه وسلم عن الصَّلاةِ في مَبَارِكِ الإِبل، فقال: "لا
تُصَلُّوا في مَبَارِكِ الإِبِلِ فَإِنَّهَا مِنَ الشَّيَاطِينِ"، وَسُئِلَ
عن الصَّلاةِ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، فقال "صَلُّوا فِيهَا فَإِنَّهَا
بَرَكَةً")[22].
ألا تتناقض هذه الروايات مع دعوة القرآن الكريم إلى إعمال العقل في الإبل، ومع
منطق العقل، أيمكن أن تكون تلك حقيقة موثوقة بها؟ وهي تناقض مبادي ونظريات علم
الوراثة، وقوانين الخلق وأطواره؟ ألم تغلق هذه الروايات حقيقة النظر العلمي
والتأملي الفلسفي في خلق الإبل بزعم خلقها من الشياطين؟ أليست دعوة صريحة لغلق باب
العقل في الفكر الإسلامي؟ ... أسئلة لابد من طرحها بالضرورة العلمية والمنطقية
والعقلية والشرعية، فهي ليست لدحض مطلق السنة، ولكن لدحض المدسوس فيها من
الإسرائيليات وغيرها.
فهذه العقلية هي التي تجري الماضي على
الحاضر رغم متغيراته، فالفكر الإسلامي حين جعل في تابوت النص فهما وقراءة وأحكاما
وتأويلا، أعلن موته سلفا قبل أن يبلغ الرشد؛ حين قرروا قرارهم الكارثي بغلق باب
الاجتهاد، فكان التوقيع على نهاية عصر كان من باب الإمكان أن يكون عصر العقل في
الفكر الإسلامي وحضارته. قد نسفوا العقل حين هم بالخروج من شرنقة التقليد، وحين
كانت الأسئلة وعلاماتها الاستفهامية تتناسل في رؤوس المفكرين، جاؤوا بالمطارق
الفقهية لتطفأ نور العقل، وتجمد الزمن، بمقولتهم الشهيرة "لقد قال السابقون
كل ما يمكن قوله". وما ذلك إلا تحويل الدين من مشروع حياة إلى أرشيف محفوظ!
من نص حي إلى موت سريري؛ يسعفونه بالتدوير، ليحاور الواقع بمقولات وأحكام الماضي.
فتكرس الاستبداد الفكري والثقافي داعيا أن العقل خلق للطاعة والخضوع لا للإبداع
والخلق والابتكار! وكأن الأقدمون أحاطوا علما ومعرفة بحاجات المستقبل. فالواجب
علينا تكرار ذواتهم في ذواتنا، وأقوالهم في أقولهم، وأحكامهم في أحكامنا، ولا
نسائلهم فيما أنتجوه من فكر وثقافة وفهوم. علينا الاتباع لا الابتكار والإبداع!
فصار العقل في الفكر الإسلامي يناور على الهامش، أو يلعب خارج خط التماس، وإلا
اتهم بالكفر، وإن سأل يقصى ويهمش، ويخون إن أبدع وابتكر. فيصير إلى التصوف، أو
التمرد، أو الصمت أو الكبث أو الانتحار. ويصير النص الديني إلى طقوس تمارس بمنطق
العادة والروتين، وكلمات يرددها اللسان عبادة وأجرا، لا مردود لها على الآخر
المختلف أو المخالف. لذا؛ ألفنا ماجد الغرباوي يدعو إلى نقد القديم، ليزرع ما كان
فيه من روح، ويحرره من التقليد آفة الفكر الإسلامي، ليحاور العقل النص الديني،
ويستنشق أكسجين العصر، بتفاعله مع قضاياه ومشاكله وإشكالياته ووقائع وأحداث
ومعطياته، وليتجاوز أسئلة الماضي الحاضر البليدة السخيفة والصبيانية الطفولية، كالتساؤل
عن: هل يمكن للإنسي الزواج من الجني، وهل يحسب على الأربع؟ وما يرفض له مهرا؟ ... عقم
عقلي وفكري.
فالتقليد هو ما حكم على مسار ومسير
الفكر الإسلامي التاريخي بالجمود والسكون والثبات. وهو الذي عرض تصورا رسميا بحكم
المأسسة للحقيقة الدينية، بتخصيص نفسها بمفاتيح الفهم والتأويل والتدوين، فأغلقت
كل الأبواب في وجه العقل العربي، والمسلم، وختمها قفلا الإمام الغزالي حين أغلق
باب الاجتهاد، فتوقف إنتاج المعرفة وصنع الفكر، واكتفى بإعادة التدوير، وإعادة
إنتاج المنتوج من بضائع رمزية قديمة، وتبرير أحكامها الفقهية ومقولاتها الدينية.
وصار الخلف على درب القائل في موروثنا الثقافي "ليس في الإمكان أحسن مما
كان". لذا وجدنا المفكر ماجد الغرباوي يدعو إلى تحرير النص من سلطة التاريخ،
وتحرير الإنسان من سلطة النص المغلق. وهو في مقاربته النقدية يتسم بشجاعة فكرية،
وجرأة بالتصريح بالمطلوب، واستقلال معرفي، وجرأة على تفكيك الثابت. فالعقل النقدي
عنده، لا يمكن أن ينمو في ظل إغلاق باب الاجتهاد، واعتماد التقليد، والتقليد قتل
للإبداع الفكري، ومن قبل حاربه الإمام الشوكاني بقوة، وذكر عائده السلبي على الفكر
الإسلامي. كما يحاربه ماجد الغرباوي، لأن التقليد عنده هو: (صفة أخرى ابتلى بها
المسلمون ... الحاضر يقلد الماضي في كل شيء، فخبا الإبداع، وقمعت القابليات.
والتقليد وليد شرعي لثقافة التقديس ... تقديس الماضي، وتقديس السلف، فما زلنا بعد
ألف وخمسمئة سنة نقلد السلف الصالح، ونستفتيهم بشؤوننا وحاجاتنا، وكأن الواقع لم
يتغير)[23].
لذا؛ فمشروعه يدعو صراحة إلى استرجاع الذات المفكرة والعارفة من تبعية النص الديني،
إلى شراكة تأويل وترخنة النص، وفهمه ضمن الآفاق الإنسانية الرحبة.
وأما عائد هذا المشروع الفكري النقدي،
يتمثل في:
ـ إعادة صياغة مفهوم الدين عبر نقد
النصوص الدينية، بما يعيد شكليه من جديد، بنقله من دائرة ممارسة الطقوس والتقاليد
الدينية والجمود الفكري إلى تشييد منظومة دينية أخلاقية تحقق وجودية الإنسان،
وعدالته، وحريته، واستقلاله، وتحرير إرادته. فيتحمل مسؤوليته تجاه أفعاله، سواء
ربطته بالخالق أو بالمخلوق.
ـ فك الاشتباك بين الدين والديني حتى يمكن نقد الديني بكل
حرية واستقلالية. والخروج به من أمراضه المعضلة لينتج معمارا فكريا إسلاميا يتماشى
مع العصر وواقعه.
ـ زحزحة مركزية السلطة من النص إلى الإنسان، ومن المؤسسة
إلى العقل، ومن السكون إلى الفعل، لكي ليتحرر الإنسان من سلطة النص الديني، ومن
الاستبدادين الديني والسياسي معا. والخروج من احتكارية المؤسسة الدينية بفهم
وتأويل الدين، إلى حرية العقل في الفهم والتأويل، لربط الدين بالواقع ومتغيراته.
وبذلك يتحرك الدين نحو الفعل لا الجمود.
ـ تقديم أدوات جديدة لتحرير الدين من التوظيف السياسي،
بمعنى فك الارتباط بين الفقيه والسياسي، أو بين الاستبداد الديني والاستبداد
السياسي، ما يؤدي إلى نهضة العقل والقراءة والتأويل بروح علمية وعقلانية جديدة
للتجديد.
ـ تحرير الفكر الديني الإسلامي من العنف الرمزي الذي مارسته
التأويلات الأحادية على مدى قرون. الذي قهر عباد الله، كقهر المرأة، واستدامة
الاستبداد السياسي بمنطق طاعة ولي الأمر وحرمة الخروج عنه ... والتشكيك في بعض
الممارسات التقليدية التي أنتجت الاختلالات الاجتماعية، وقيدت الفكر والإبداع،
والتقدم ...
ـ تفكيك الأسطرة والتقديس الدينيين سرطان النصوص الدينية
التراثية، بما يرجع للبعد الإنساني اعتباره وحضوره في التجربة الدينية، بمنأى عن
التسلط، ومصادرة حريته وإرادته، والخوف، ومنطق العقاب، والطاعة العمياء بمعنى
الاستبدادي الديني. وبالجملة تفكيكه منظومة السلطة الدينية المفاهيمية.
ولن ينجح
مشروعه النقدي إلا من خلال توفير بعض المطالب والشروط منها مثالا لا حصرا:
ـ حرية الفكر الديني واستقلاله، جرأة النقد، وقول ما يجب أن
يقال، والخروج عن حدود التفسير التقليدي وخطوطه الحمراء التي رسمها للناس كمشيخة
ومؤسسة دينية.
ـ توعية الإنسان العربي، المسلم بحقيقة الدين، وحقيقة
الديني، واسترجاع الدين من الديني، بما يبني تنويرا فكريا دينيا يستعيد مركزية
الإنسان، وتحقيق التوازن الروحي والمادي، لينسجم مع عصره ووقته.
ـ التزام المنهج العلمي الدقيق والموضوعي في مقاربة النص
الديني وفكره نقديا، لينتج إقناعا يعتمد الدليل العقلي والتجريبي والواقعي، لا
بالعاطفة والترغيب والترهيب الديني والسياسي.
ـ انفتاح الفكر الديني على الحوار الفكري مع الذات المتنوعة
المتعددة، والآخر المختلف، والمخالف، بمنطوق النظير الإنساني، لكي ننتج فهما جديدا
للدين، خاصة في ظل العولمة التي هشمت الحدود الجغرافية والفكرية والدينية
والاجتماعية والسياسية والثقافية والإيديولوجية ... ولكي يفهمنا الآخر دون رهاب
ديني أو فكري.
وبالجملة؛
مشروع المفكر ماجد الغرباوي النقدي صدى صوت مكلوم من أعماق الجرح الفكري العربي،
الإسلامي، يقاوم النسيان في دهاليز الماضي، يسعى إلى تحرير الإنسان من وصاية
الماضي والتحرر من كوابحه، ومن اغتراب العقل في متاهات المأسطر والمقدس الزائفين،
ومن سجن الاستبدادين الديني والسياسي، ومن قيود التقليد بحرية الاجتهاد، ومن
احتكار الديني للدين. لكي يفهم الدين بحرية الوعي لا بطغيان العباد على العباد
باسم السلطة الدينية والسياسية، وتقديس الرموز الدينية ... فهو لا يقدم مجرد
مقاربة نقدية لتأويل النص الديني فحسب، وإنما يقدم مشروعا كاملا متكاملا نقديا، ووجوديا
للإنسان العربي، المسلم، وفكره الديني مصحوبا بتجديد حياته العلمية بمنطق العصر
والواقع.
المراجع
ـ د. محمد بن محمد ابو شهبة، الاسرائيليات والموضوعات في
كتب التفسير، مكتبة السنة، القاهرة، مصر،1408، ط4.
ـ د. رمزي نعناعة، الإسرائيليات وأثرها في كتب التفسير، دار
القلم/دار الضياء، دمشق/بيروت، سوريا/لبنان، 1390/1970، ط1.
ـ د. عبد السلام الخراز، السمات الأسطورية في بعض تفاسير
القرآن الكريم؛ تفسير الخازن لسورة البقرة نموذجا، عالم الكتب الحديثة، إربد،
الأردن، 2016.
ـ محمد ناصر الدين الألباني، سلسلة الأحاديث الضعيفة
والموضوعة وأثرها السيء في الأمة، مكتبة المعارف، الرياض، السعودية، 1412/1992،
ط1، ج.:1.
ـ ذ. ماجد الغرباوي، النص وسؤال الحقيقة نقد مرجعيات
التفكير الديني، دار أمل الجديدة/مؤسسة المثقف العربي، دمشق/سيدني،
سورية/استراليا، 2018، ط1.
ـ "
"، مقتضيات الحكمة في التشريع، متاهات الحقيقة9، أمل الجديدة/مؤسسة
المثقف العربي، دمشق/سيدني، سورية/استراليا، 2012، ط1.
ـ " " ،
تحرير الوعي الديني، متاهات الحقيقة5، أمل الجديدة/مؤسسة المثقف العربي،
دمشق/سيدني، سورية/استراليا، 2012، ط1.
ـ " "،
إخفاقات الوعي الديني، العارف للمطبوعات/مؤسسة المثقف العربي، بيروت/سيدني،
لبنان/أستراليا، 2016، ط1.
ـ عبد الهادي عبد الرحمن، سلطة النص في توظيف النص الديني،
سينا للنشر/الانتشار العربي، لندن/بيروت/ القاهرة، بريطانيا/ لبنان/مصر، 1998، ط1.
ـ ابن ماجة، السنن، دار الصديق/مؤسسة الريان، الجبيل/
بيروت، السعودية/لبنان، 1431/2010، ط1.
ـ أبو داود، سنن أبي داود؛ تح.: محمد عبد العزيز الخالدي،
حديث:493، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان،1416/1996، ج.:1.
[1]
د. محمد بن محمد ابو شهبة، الاسرائيليات والموضوعات في كتب
التفسير، مكتبة السنة، القاهرة، مصر،1408، ط4، ص.:14.
*
للتوضيح.
[2] د. رمزي نعناعة، الإسرائيليات
وأثرها في كتب التفسير، دار القلم/دار الضياء، دمشق/بيروت، سوريا/لبنان،
1390/1970، ط1، ص.:223.
[3]
د. عبد السلام الخراز، السمات الأسطورية في بعض تفاسير القرآن
الكريم؛ تفسير الخازن لسورة البقرة نموذجا، عالم الكتب الحديثة، إربد، الأردن،
2016، ص.:37.
[4] محمد ناصر الدين الألباني، سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة
وأثرها السيء في الأمة، مكتبة المعارف، الرياض، السعودية، 1412/1992، ط1، ج.:1،
ص.:462، الحديث رقم:294.
[5]
ذ. ماجد الغرباوي، النص وسؤال الحقيقة
نقد مرجعيات التفكير الديني، دار أمل الجديدة/مؤسسة المثقف العربي، دمشق/سيدني،
سورية/استراليا، 2018، ط1، ص.: 9.
[6]
ذ. ماجد الغرباوي، النص وسؤال الحقيقة
نقد مرجعيات التفكير الديني، مرجع سابق،
صص.:77 ـ 78.
[7]
ذ. ماجد الغرباوي، مقتضيات الحكمة في
التشريع، متاهات الحقيقة9، أمل الجديدة/مؤسسة المثقف العربي، دمشق/سيدني،
سورية/استراليا، 2012، ط1، صص.:301 ـ 302.
[8]
ذ. ماجد الغرباوي، النص وسؤال الحقيقة
نقد مرجعيات التفكير الديني، مرجع سابق، ص.:175.
[9]
ذ. ماجد الغرباوي، تحرير الوعي الديني،
متاهات الحقيقة5، أمل الجديدة/مؤسسة المثقف العربي، دمشق/سيدني، سورية/استراليا،
2012، ط1، ص.:291.
[10]
ذ. ماجد الغرباوي، مقتضيات الحكمة في
التشريع، متاهات الحقيقة9، مرجع سابق، ص.:88.
[11] نفسه، ص.:145.
[12]
عبد الهادي عبد الرحمن، سلطة النص في
توظيف النص الديني، سينا للنشر/الانتشار العربي، لندن/بيروت/ القاهرة، بريطانيا/
لبنان/مصر، 1998، ط1، ص.:147.
[13]
ذ. ماجد الغرباوي، النص وسؤال الحقيقة
نقد مرجعيات التفكير الديني، مرجع سابق، ص.:124.
* من
خارج النص.
[14]
ذ. ماجد الغرباوي، النص وسؤال الحقيقة
نقد مرجعيات التفكير الديني، مرجع سابق، ص.:9.
[15]
ذ. ماجد الغرباوي، مقتضيات الحكمة في
التشريع، متاهات الحقيقة9، مرجع سابق، ص.:105.
[16]
نفسه، ص.:151.
[17]
ذ. ماجد الغرباوي، مقتضيات الحكمة في
التشريع، متاهات الحقيقة9، مرجع سابق، ص.:389.
[18]
نفسه، ص.:345.
[19]
سورة الغاشية، الآية:17.
[20]
نفسه، الآيات:17 ـ 22.
[21]
السنن لابن ماجة، حديث: 769، دار الصديق/مؤسسة الريان، الجبيل/
بيروت، السعودية/لبنان، 1431/2010، ط1، صص.: 158 ـ 159.
[22]
أبو داود، سنن أبي داود؛ تح.: محمد عبد العزيز الخالدي،
حديث:493، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان،1416/1996، ج.:1، ص.:173.
[23]
ماجد الغرباوي، إخفاقات الوعي الديني، العارف للمطبوعات/مؤسسة
المثقف العربي، بيروت/سيدني، لبنان/أستراليا، 2016، ط1، ص.:49.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق