الأربعاء، 23 أبريل 2025

الاشتباك النقدي الديني المعرفي في الفكر الإسلامي

 

الاشتباك النقدي الديني المعرفي في الفكر الإسلامي

"ماجد الغرباوي نموذجا"

عبد العزيز قريش

ـ مدخل تمهيدي:

            من الأبجديات العلمية والأدبية التي درجت عليها المنهجيات الحديثة، التعريف بمنطلقات النص المفاهيمية. وبما أن النص هنا، يتناول " الاشتباك النقدي الديني المعرفي في الفكر الإسلامي" متكئا على المفكر ماجد الغرباوي نموذجا، سيحدد هذا المفهوم إجمالا الذي ينطلق منه النص في هذه الورقة ومتعلقاته، لكي نكتشف مدى اشتباك ماجد الغرباوي مع النص الديني. وقبل ذلك لابد من بدء يمهد لتحديده:

ـ بدء:

منذ انطلاق قول الشرح والحاشية على هامش النص الديني الأصلي، انفتح الفكر الإسلامي على مسرح الحوار الفكري والتداول المعرفي إما بالصمت المفروض أو الرقابة الذاتية أو المؤسساتية القمعية، أو الجدل الفكري بمعنى النقاش والتحاور والمقاربة العقلانية المبنية على الأسس العلمية والمنطقية والنقدية، أو السجال الفكري الذي يحمل راهنا شحنة صراع قد تصل إلى الإلغاء الفكري، أو الائتلاف والمرونة الفكرية التي تستوعب إرادة الاشتراك، أو الاختلاف الذي يقبل بالرأي الآخر واحترامه، أو خلاف تضاد وتباين آراء ومواقف وتأويلات في أفق إقصائي. والخلاف أصلا هو الذهاب في الاتجاه المعاكس من المنطلق.

فشكل هذا الانفتاح ما يسمى في الأدبيات النقدية "الاشتباك النقدي المعرفي"، وهو في المجال الديني ليس اشتباك سجال فقهي أو كلامي، وإنما هو لحظة وعي ديني تأويلي واحتكاك عقلاني نقدي مع النصوص الدينية وتأويلات أصلها. كما هو اشتباك معرفي أو عملي مع السلطة الدينية والسياسية في نفس الوقت. وقد ظهر هذا الاشتباك في مراحل متقدمة من التاريخ الإسلامي ومتعددة، وتمظهر بجهود وعطاءات فكرية جليلة ومقدرة من جملة أعلام المسلمين الفكرية أقبلت على إعادة قراءة الدين نقديا من الداخل، أو تفكيك بنياته العقدية، والشعائرية، والفقهية القانونية أو البنية التشريعية، والقيمية/الأخلاقية/الإنسانية، والرمزية اللغوية، والتاريخية، والاجتماعية، المعرفية التأويلية من منظور نقدي عقلاني. هذه البنيات التي ما فتئت تكون مسرحا دائما للقراءة والصراع المعرفي.

ـ في مفهوم الاشتباك النقدي المعرفي:

يراد بالاشتباك النقدي المعرفي في هذه الورقة تساوقا مع بدئها: ذلك الجهد الفكري الكبير التفكيكي للبنى المعرفية التقليدية، ومساءلة مسلماتها العقدية والفقهية والقيمية والاجتماعية الذي يقدمه مفكر أو تيار فكري أو مدرسة عقائدية داخل الحقل الإسلامي لتوعية العقل المسلم الفردي والجمعي، وتصحيح مغالطاته وأخطائه والاستفادة من إيجابياته. بتوظيف مناهج علمية وأدوات معرفية ممتاحة من العقل والمنطق والتأويل والسياق التاريخي.

ويقع هذا الاشتباك داخل النسق الديني لا خارجه بحكم الضرورة المعرفية والمنهجية ومعطيات النسق المعرفية التي تشكل وحدة متكاملة داخليا ومنفتحة على الخارج في إطار نظرية العلاقات بين الأنساق. فيخلخل قواعد النسق باستيعاب واحتواء المفاهيم، والنظريات، والنماذج، والاختلافات أو الرؤى المتعددة توسعة لدوائر التأويل واستيعابا لمقولاتها، وفي المقابل كشفا لآليات السلطة الكامنة والمتضمنة والمستترة فيه.

ـ في قوام الاشتباك النقدي المعرفي في الفكر الإسلامي:

            يقوم قوامه على مرتكزات أساسية منها: 

ـ العقل التأويلي: يرتكز الاشتباك النقدي المعرفي على تأويل النصوص بعيدا عن الحرفية أو الظاهرية أو النصوصية، بقراءتها من جديد أو إعادة قراءتها في ضوء السياق التاريخي والاجتماعي المؤسس أو المستمر؛ لكشف المعاني وظلالها المتوارية خلف ظاهر النص.

ـ نقد السلطة التأويلية: ينطلق الاشتباك النقدي المعرفي أصلا من مبدأ الشك في شرعية امتلاك الفقيه، أو المفسر التقليدي للنص الديني وحيدا الحقيقة المطلقة؛ مطالبا بإعادة توزيع السلطة التأويلية لصالح العقل الفردي الحر والمستقل ذاتا عارفة تمتلك حق القراءة والتأويل.

ـ التحليل التاريخي: قراءة المفاهيم والأفكار الدينية فهما لتطورها، يرتكز فيه الاشتباك النقدي المعرفي على تبني البعد التاريخي، الذي يمنع المعنى الأصلي للنص الديني، ويفتحه على التأويل والواقع باستمرار الخط الزمني للحياة، بما يحرره من الجمود إلى التجدد. فقراءة معنى مفاهيم من قبيل: الخلافة، الشورى، الإمامة، والعصمة ... تتطلب مثلا استحضار المعطى التاريخي في معرفة وفهم إنتاج مقولتها في عصر ما دون آخر، وإمكانيات تجديدها وفق الواقع المعيش في كل عصر ومعطياته ومتطلبات حتى يتم فصلها عن صيغتها المقدسة التي تجمدها في دلالات معجمية واصطلاحية وتطبيقية غير قابلة للنقد أو المراجعة الفكرية. ما يفضي إلى قطيعة الماضي لواقع الحاضر.

ـ تفكيك الخطاب العقدي الموروث: الاشتباك النقدي المعرفي يسائل التصورات الدينية الكبرى كالألوهية، والنبوة، والمعجزة، والغيب، والبعث، والجزاء والعقاب، والخير والشر، والطاعة لا بنيات عقدية فحسب، وإنما بنى رمزية نسقية من المعاني والصور والتأويلات، تعتمد للضبط الاجتماعي والسياسي، ومرجعا أعلى للمعنى والقيم والتوجيه، بتوغلها في الوعي الجمعي معيارا للسلوك والانتماء. وتحويلها إلى نصوص مقدسة وأقوال منسوبة للوحي، ما يضفي عليها القداسة والحصانة من النقد. ويستكشف في مساءته التصورات الدينية الكبرى ما حملت أو احتوت من تضمينات إبستيمولوجية دينية وسلطوية فقهية وسياسية ترتبط فيما بينها لتشكل قناعات المؤمن في العيش ضمن مجتمعه، وقبوله للواقع بكل معطياته اندماجا وتكيفا. وتحويلها إلى نصوص مقدسة وأقوال منسوبة للوحي، ما يضفي عليها القداسة والحصانة من النقد. فمثلا: تحول الخلافة من مشروع ديني روحي إلى بنية رمزية تبرر وجود أنظمة سياسية تفرض نفسها باسم الدين، وتبرير الاستبداد، والطاعة العمياء بعدم الخروج عن الخليفة ولي الأمر. مقدسات لا أصل لقدسيتها سوى انتمائها للدين!

ـ الجرأة الأدبية المعرفية: بما تعني من قدرة على كسر التقاليد السائدة في المعرفة والبحث والكتابة والقول، من حيث التعبير الحر والمستقل، وغير المألوف عن الأفكار الحساسة، أو عن المسكوت عنه، وطرح ما يخالف الأعراف والتقاليد الدينية والاجتماعية والثقافية ... بجانب تقديم تصورات نقدية متقدمة، بلغة أدبية جمالية راقية تنأى بنفسها عن التهجم والتهكم، لكنها لا تتنازل بالمطلق عن الصراحة والعمق. يتميز بها الاشتباك النقدي المعرفي في مساءلة المقدسات والسلطة، وفك تشبيكها بالنص المقدس الأصلي، وتحرير الإنسان من سطوتها واحتكارها، عبر محاولة تخليص النص من هيمنة التأويل السلطوي الذي يفرض بالانتماء لمقدس الدين، أو يفرض بالسلطة الفقهية والسياسية.

ـ في نماذج من الأعلام في الاشتباك النقدي المعرفي:

            يتضمن تاريخ الفكر الإسلامي مجموعة من رواد الاشتباك النقدي المعرفي على مدى عصوره، لا يمكن استيعابهم في لحظة مقالية ضيقة. لذا سيكون المثال للمثال فقط ببعضهم من خلال حقب تاريخية تعرب عنها الأسماء: 

ـ أبو حيان التوحيدي:

أبو حيان التوحيدي قدم نموذج المفكر المشاكس المهمش، الذي خاض معركته مع النفاق الثقافي والديني في زمانه نقدا واسعا، كاشفا تناقض الخطاب للممارسة، مستمسكا بمواجهة الخطابات السلطوية باسم الدين أو الفلسفة.

ـ ابن رشد:

اشتبك نقديا بالعقل مع الفقهاء والمتكلمين، مدافعا عن وفاق الفلسفة بالدين، من أساس تأويلي عقلي، باعتبار الشريعة الحقة لا تناهض ولا تناقض العقل البرهاني.

ـ جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده:

معركة اشتباكهما النقدي المعرفي كانت مع الفكر السلفي والجمود الفقهي، بالدعوة إلى الاجتهاد والتجديد وإعمال العقل، وإلى إصلاح ديني ينهض بالأمة في سياق مقاومة الاستعمار والتخلف والجهل.

ـ محمد أركون:

في اشتباكه النقدي المعرفي للفكر الديني قدم مشروعا متكاملا لإعادة قراءة الإسلام وفهمه من منظور أنثروبولوجي وتاريخي ولساني، ساعيا لـ "إزالة الأسطرة" عن النصوص الدينية، في تمييز واضح بين "القول الديني" و"الظاهرة الدينية". وهو ما ذهب إليه معظم النقاد الدينيين المعاصرين.

ـ عبد الجبار الرفاعي وماجد الغرباوي:

يمثل كلاهما موجة فكرية التنويرية معاصرة في نقد بنية الفكر الديني، عبر محاولة تحرير العقل الديني من القداسة، والعنف، والتسلط، والأسطرة بتفكيك آليات الهيمنة الكامنة في التراث الديني والتأويل الفقهي والتفسيري التقليدي.

ويبقى الاشتباك النقدي المعرفي في الفكر الإسلامي جهد ترميم وتجديد وتطوير، وليس جهدا أو حركة تدمير!  يعيد للدين والديني روحاهما الأخلاقية والقيمية والواقعية، ويحررهما من قيود المذهبية والمؤسسات السلطوية. وهو اشتباك مشروع نهضوي، يقوم على النقد شرطا أساسيا للفهم والانطلاق، ومن العقل صديق سبيل الإيمان، في مسيرة جادة ومسؤولة نحو دين إسلامي حي متقد بروح الواقع والعصر، متجدد بهما يعانق الإنسان وحريته وكرامته.

وبما أن ماجد الغرباوي من أبرز المفكرين المعاصرين المشاكسين للديني، الذي اشتبك نقديا ومعرفيا مع النص الديني من موقع نقدي مستقل تحرري تنويري. ومقولاته الدينية النقدية المتضمنة في مشروعه التنويري، من نفيه فوقية النص الديني ومثاليته المتعالية، واعتباره بناء ثقافيا وتاريخيا، تشابكت فيه الأبعاد العقدية بالتاريخية، والسياسية باللاهوتية قابلا للنقد، بما يؤدي إلى تحرير العقل المسلم من سطوة التأويلات التراثية، التي وطنت الاستبداد بتلويناته المتنوعة تحت عنوان الدين.

انطلاقا من هذه المشاكسة النقدية، ترى إلى أي حد فعلا كان ماجد الغرباوي ناقدا دينيا مشاكسا للديني؟ ومن علامة الاستفهام هذه؛ نقترب من مقاربته عبر محاولة تحديد مفاهيمه، واستكشاف مبادئه النقدية، وتحليل نماذج من اشتغاله على المنتوج الديني الإسلامي، وصولا إلى خاتمة تسائل مشروعه من منظور "نقد النقد الديني". لفتحه على آفاق واعدة، بشكل رمزي دلالي لا تفصيلي.

1 ـ المحددات المفاهيمية لفكر الغرباوي:

من المحددات المفاهيمية نقف على:

ـ النقد الديني: بمفهوم فحص المنتج الفكري تبيانا له، لا بمفهوم رفض للدين كما يعتقد البعض أو يريد اعتقاده لقصدية ما. ومنه فالنقد الديني عنده مساءلة نقدية معرفية لمنتوج العقل المسلم، لفهمه وتفسيره للنصوص الدينية. فالنقد الديني عند مفكرنا التنويري مساءلة للتراث العقدي والفقهي للفكر الإسلامي، بما هو حاملا لبنيات اجتماعية وثقافية وسلطوية.

ـ المقدس: لا يبئر ماجد الغرباوي مجهر نقدي على "قدسية النص المقدس في ذاتها"، وإنما يبئرها على "سلطة المقدس"، بمعنى الكيفية التي تم بها تأويل النص وتوظيفه لإنتاج هيمنة رمزية واجتماعية وثقافية

ـ التراث الإسلامي: عند ماجد الغرباوي يتموضع التراث الإسلامي نتاجا ثقافيا تاريخيا قابلا للمقاربة النقدية، وليس حقيقة مطلقة. بما يخضعه للظروف التاريخية والسياسية التي أنتجته. وعليه تقتضي مقاربته تشريحه وتفكيكه لا تمجيده وتقديسه.

ـ السلطة: سواء كانت سياسية أو مذهبية أو أيديولوجية يشتبك ماجد الغرباوي معها لكون المتحكم الرئيسي في مسارات التأويل وتوجيه الفهم الديني في الاتجاه والتوجه المطلوب.

2 ـ المبادئ النقدية في مشروع الغرباوي:

ـ منهج التأويل التاريخي: يتبنى ماجد الغرباوي المنهج التأويلي التاريخي في مقاربة النص الديني وفهمه، وينأى عن الحرفية والظاهرية والنصوصية. فهو يجد وجوب فهم النصوص في سياقاتها الزمانية والمكانية والحدثية، وإسقاطها على حاضرنا دون وعي تاريخي يخلق إشكالات معرفية وفكرية وفقهية خطيرة. كمسألة المرأة، والمختلف الرديف أو النظير، والإسلام السياسي ...

ـ تحرير العقل من مركزية الفقيه: ينتقد ماجد الغرباوي في مشروعه ما يسمى بـ"الاحتكار الفقهي" للتأويل، مطالبا بإعادة الاعتبار للعقل المسلم مصدرا تأويليا نقديا، يغطي مساحات كبيرة من الفراغ القولي الديني.

ـ فك الارتباط بين الديني والسياسي: من المبادئ الأساسية في مشروع ماجد الغرباوي النقدي التنويري فك هذا الارتباط المحكم البرغماتي. فاختلاط الدين بالسلطة السياسية أدى من وجهة نظره ـ وهو صادق في ذلك ـ إلى تشويه الخطاب الديني، وتحويله إلى أداة تجهيل وتزييف الوعي وتجميد فضلا عن تسلط وقمع وإقصاء.

ـ نقد البنية الميثولوجية للتفسير: التي تخامرها "الأسطرة" بما هي نظام من القصص الرمزية التي تحكي عن الآلهة، والأبطال، وبداية الكون، والموت، والمقدس، و تفسر الظواهر الطبيعية، والقيم الاجتماعية، والطقوس الدينية بطريقة رمزية. مما تحمله تفسيرات وشروح النص المقدس التراثية ، كالإسرائيليات والمختلقات والموضوعات. فهو يقوم بتفكيكها وتشريحها بمشرط النقد الديني، وإعادة بناء التراث الديني على حقائق علمية ومنطقية. وبذلك يفكك الخطاب التقليدي ويعاد بناء فهم ديني جديد للنص الديني، ينطلق أساسا من القيم الأخلاقية العليا للدين، لا من منطلقات المؤسسات السلطوية.

3 ـ نماذج من اشتغاله النقدي على التراث الديني:

يقدم ماجد الغرباوي نموذجا متقدما للاشتباك النقدي الديني المعرفي في الفكر الإسلامي بتفكيك البنى اللاهوتية التي صنعتها الثقافة الدينية التقليدية حول النص المقدس بالتأويل الأوحد للمؤسسة الدينية فردا كانت أو مجمعا مؤسساتيا؛ حيث يشتغل معرفيا على تحرير العقل المسلم من أوهام السلطة الرمزية والتاريخية، التي سيجت النص من الخارج وحصنته من فهمه في سياقه الطبيعي والمعرفي. وذلك بــ :

ـ نقد علم الرجال وأسانيد الحديث:

يذهب ماجد الغرباوي إلى القول بأن "علم الرجال" كان أداة إقصاء سياسي طائفي، استخدمت من قبل السلطة الدينية والسياسية في إقصاء معارضي السلطة أو المدرسة المذهبية. مما يقترح معه ضرورة المراجعة المعيارية لهذا العلم على أسس عقلانية ومعرفية وليس مذهبية، لكي يحميه من التحيز، ويخرجه من الذاتية إلى الموضوعية. فالقول "لحوم العلماء مسمومة" يدل على ما في علم الرجال من مقولات ذات، فهي مقولة ذاتية لا موضوعية.

ـ تفكيك النسق الفقهي الذكوري:

ينتقد ماجد الغرباوي الفقه التقليدي لتكريسه دونية المرأة باسم النص الديني والتفسير الأحادي. مؤكدا على أن جملة من الأحكام الفقهية شيدت على أعراف وتقاليد قبلية، وتفسيرات سلطوية، لا على جوهر الرسالة الإسلامية وروحها، ونزعتها نحو تحقيق إنسانية الإنسان. حيث:

              (ليس هناك حكم قرآني يخص المرأة مستتر، ما دام القرآن بين أيدينا. لكن المشكلة في تفسير النص القرآني وتأويله، والمشكلة في خلفية الفقيه والمفسّر ومدى تأثره بالواقع الاجتماعي والثقافي [ليس التكوين المرجعي للمشرع/الفقيه معطى جاهزا أو نهائيا، بل صيرورة تاريخية، وتراكم يعكس البنية الثقافية للمجتمع، ومهيمنها، الذي هو نسق مضمر، يمارس دور الهيمنة والإقصاء. هيمنة كل ما يضمن تماسك بنيته، وإقصاء ما يربك الوعي الجمعي. فعندما يسوق القيم الذكورية، مثلا، تؤثر لا شعوريا في كل قرار له علاقة بالمرأة. لا فرق بين فقيه وغيره. مادامت قيما متوارثة، ضاربة في أعماق الوعي، كحقائق نهائية. فتتأثر عملية استنباط أحكام المرأة بها، ولو بشكل خفي عندما يرجح المجتهد روايات دونية المرأة على غيرها. وبإمكانك العودة إلى أحكام المرأة في الفقه السائد، فإنه لا يرى ندية بين الرجل والمرأة، هذا هو السائد آنذاك، قبل وبعد ظهور الإسلام. وجود واحد تتبعه المرأة، جزءا من متاعه تلبي حاجاته، وتستجيب لشهواته، ويتصرف بها كما يود ويهوى. أعراف أبوية صارمة، كانت سائدة قبيل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي جاء بعد كفاح مرير ضد وصاية المجتمع][1]. ومدى قبوله [الفقيه والمفسر]* ما يوازي الآيات القرآنية من روايات. المشكلة في الفتاوى والأحكام التي يصدرها الفقيه، لا أخفيك أن بعضها تعسفي، ضد المرأة، بحاجة إلى جهد اجتهادي لتقديم أحكام أخرى تتناسب مع مقام المرأة راهنا ... لم يساير الله المفاهيم الذكورية المستبدة بالمرأة، لكن عندما ظهر الإسلام وجد واقعا يمتهن المرأة، ويلغي وجودها، ولعل آية: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَى ظَلْ وَجْهُهُ مُسْوَدًا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيمسكه عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التَّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) "النحل : 58 ـ 59"، تجسد هذه الحقيقة.

فأحكام الإسلام جاءت لتنتشل المرأة من هذا الواقع، فبدأت بالاعتراف ببشريتها وإنسانيتها. يتضح ذلك من خلال الخطاب الشامل بإطلاقه للذكر والأنثى في كافة المجالات الحياتية والأخروية والحقوقية إلا ما يقتضيه الواقع البايلوجي والوظيفة والاجتماعية ... فالإسلام لم يساير المفاهيم البشرية المستبدة، كما تقولين، وإنما تبدو الأحكام هكذا بسبب ابتعادنا عن الواقع العربي، ومقارنتها بمنظومات حقوق الإنسان بعد تطور المجتمعات والعقل البشري بخمسة عشر قرنا، لكن لو قورنت بما قبل الرسالة ستكون منصفة جدا. بل وتعتبر قفزة نوعية بكل المقاييس ... لا أنكر أن بعض المرويات فيها ظلم للمرأة ومكانتها وإنسانيتها، لكن في رأيي ليس لهذه المرويات أية حجة شرعية)[2].

ـ تحليل ظاهرة العصمة والإمامة:

يحلل ماجد الغرباوي نقديا عقيدتي العصمة والإمامة ضمن السياق السياسي والتاريخي الشيعي، موضحا عدم نشأتها معطى دينيا خالصا، بمعنى نشوئها من خارج النص العقدي الديني لا كالصلاة أو الصوم الناشئ بطبيعته الدينية. وإنما هي مفاهيم بنيت وسيلة لتبرير السلطة وإنتاج شرعية دينية للإمام والفقيه.

ـ الدين والمجتمع المدني:

انطلاقا من تاريخية النص الديني التي توافق معطى الواقع في كل عصر ومرحلة، أجد ماجد الغرباوي يؤمن بعدم تناقض الدين والمجتمع المدني، بل الدين لب هذا المجتمع، حيث يفهم المجتمع المدني في إطار الدين تحت ضوء قيمه الإنسانية المحتضنة للاختلاف النوعي. والداعية إلى التعايش والتعارف بين مكوناته. وبذلك وجدته من دعاة علمنة التأويل الديني لا علمنة الدين.

فتنوير العقل البشري و تحريره من القيود بالحوار مع الآخر المختلف أو النظير، وممارسة النقد بأسلوب عقلاني حضاري لأجل تقارب الأفكار بين الرأي و الرأي المختلف والمخالف في ظل صراعات متنوعة دائرة حاليا نتيجة الانتكاسة الغربية في القيم التي تجلت مع القضية الفلسطينية وطوفان الأقصى، حتى بتنا نلمس تحيز مفكرين غربيين للقتل والإبادة الجماعية بشتى الوسائل.  

وسنذهب إلى أمثلة تطبيقية لما تم نقده دلالة على مشاكسته واشتباكه النقدي الديني المعرفي بكل جرأة واقتدار:

أ ـ في كتابه "مفهوم النص نقد مرجعيات التفكير"، يسائل ماجد الغرباوي أنساق الهيمنة الرمزية والدينية، التي تتستر خلف ما يسمى مجازا "التفسير الديني" من خلال عناوين عدة كالتشريع من خارج النص المقدس بفرضيات غير نصية، الذي سيده الفقه التقليدي في الفكر الإسلامي التشريعي، ضمن ميثولوجيا التفسير التي تخضع التفسير بحكم السلطة الدينية أولا ثم السياسية ثانيا لبنى أسطورية أو خيالية، تطبع النصوص الدينية التراثية خاصة بالخرافة والتأويل من خارج العقل، نأيا به عن السياق الواقعي والتاريخي. بتوظيف الإسقاطات الرمزية الميتافيزيقية الخيالية عليها، وتضخيم القصص الدينية ونقلها إلى درجة الأساطير التأسيسية المتجاوزة للواقع والعقل. كما تقحم الروايات الإسرائيلية أو المنحولة في تفسير النصوص الدينية، دون فحص تاريخي أو نقدي. مثل تفسير مقاتل بن سليمان البلخي[3]" ت.: 150هـ/767م بالبصرة"، وحتى تفسير الإمام الطبري على جلالته وأهميته لم يسلم من الروايات الإسرائيلية[4]. وتعمل تلك الميثولوجيا على إنتاج "حقائق!" تفسيرية تقوم على الميث "mythe" بمعنى رواية خرافية، غالبا ما تكون ذات أصل شعبي، تجسد كائنات "آلهة، أنصاف آلهة، أبطال، حيوانات، قوى طبيعية ترمز إلى طاقات، أو قوى، أو جوانب من الحالة الإنسانية"[5]، لا على المنهج العلمي أو المعرفي الصلب.

            فـ :

              (التراث فهم بشري، يمكن تفكيكه وتحليل مقولاته، غير أن الضرورات المرجعية للمذاهب المتصارعة نأت به عن النقد والمراجعة والتشكيك، عندما فرضت حوله أسيحة ميثولوجية، وسحته في وجدان الناس، رغم غرائبية مصادره، وأسطورية قدراته المعرفية. فكرست الأيديولوجية منطق الاستعلاء والوصايا، بعد أن جردت التراث من تاريخيته وبشريته، وأبقت على تعاليه وقدسيته، رغم أنه ليس مصدرا للمعرفة القائمة على الدليل والبرهان دئما، بل فهم بشري يصدر عن بنية قائمة على أسطرة الرموز الدينية، تتداخل فيها الخرافة بالوهم. فهي طبيعة سحرية، تموه الحقيقة، عبر وعي مختلف لمعناها ومعنى الحياة والموت والنجاة والسعادة.

              الثقافة التراثية تخلق حالة من التناقض اللاشعوري تجاه الحداثة ومعطياتها، وتجاز للماضي على حساب الحاضر. فلا يمكن للتراث أن يكون مصدرا للمعرفة، وهو يرتكز لمرجعيات قوامها الإيمان والتسليم. عكسا للمعرفة الحقيقية، التي يمكن الاستدلال عليها من خلال التجربة أو البرهان الرياضي، والدليل الفلسفي القائم على الاستنباط والتأمل العقلاني، بعيدا عن المتخيل الميثيولوجي وبالتالي لا معنى للحديث عن نهضة حضارية)[6].

فالنقد الديني المعرفي يتجلى عند ماجد الغرباوي في هذه النقطة في خلخلة هذا التراث من حيث تحليل بنية المرويات المتخيلة التي شاعت في التفاسير والتأويلات، المتخيلة الموضوعة والمختلقة، أو المضخمة، أو الإسرائيليات، التي أورد مثالا لها حول الإمام المنتظر منتقدا ما جاء في شأنه:

(يا سيدي الإمام المنتظر في الروايات الشيعية كائن أسطوري لا تؤثر في أعتى الأسلحة فتكا، فما تأثير أسلحة إسرائيل تجاه قدراته الخارقة!!. لو تقرأ ماذا كان يفعل بعد ولادته وهو ابن بضع أيام، وكيف ارتفع للسماء بواسطة ملكين ليقف بين يدي الله عز وجل، ويأخذ منه ميثاقا، فحينئذ لا تتعجب من هذا الكلام!!)[7].

وهو النقد الديني المعرفي يعري عن كيفية إدماجها قصصا وأساطير لا أصل لها في القرآن، ومن ثمة إكسابها سلطة رمزية بفعل التكرار والإسناد، مما غدا بها إلى حقائق يقينية مدسوسة في الوعي الفردي والجمعي. تقود الإنسان إلى الجمود الفكري والقبول بالأسطورة والخرافة، وبالانقياد والطاعة من خارج توظيف العقل. لب الوجود في القرآن الكريم.

            كما يسائل "حجية السنة المطلقة"، من حيث:

 (لا شك إن التشريع مقتصر على الله تعالى، يقول في كتابه مخاطب النبي: "ليس لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ". وقد بين دور النبي بوضوح من خلال آياته، فهو مبلغ، ومبشر. ونذير، ومفصل. يُعلم الناس الكتاب والحكمة. وعليه لا حجية الأحاديث النبي مطلقا في غير الأحكام الشرعية الواردة في الكتاب المجيد. ووجود الحكم الشرعي في القرآن يعد شرطا لحجية قول النبي الكريم، عندما يكون تفصيلا وبيانا له. وبالتالي لا شك في حجية قول النبي فيما يخص تفصيلات الأحكام الشرعية المبينة في الكتاب الكريم. لكن الكلام حول غيرها من أحاديثه وسنته. ومطلق سيرته "قوله وفعله وتقريره"، فهل هي حجة مطلقا أم لا؟)[8].

            وفي نقده منطق نزع القدسية والأسطرة عما هو خارج عن السنة النبوية الشريفة المحتكمة والمتساوقة مع معطى النص المقدس القرآني التشريعي. وسحب عن السنة النبوية الشريفة حاكميتها وقضاءها على كتاب الله! بما يمنح نقدها وإعادة قراءتها من جديد وفق المعطى الواقعي الراهني. كما ينزع عن رواتها صدق مروياتهم بما يدخلها في منطق الشك، حيث يتساوى في قراءتها السلف والخلف. ولا يكون الفضل للسابق عن اللاحق بما يكمم الأفواه الناقدة. كما في نقده للسنة إشارة سيميولوجية، تفيد رفع المثالية المتعالية حد الملائكية عن الصحابة رضوان الله عنهم.

            وردفا على قضية المرأة التي خصص لها مساحة متميزة من فكره التنويري، نجد رؤيته لهذه القضية المحورية في عصرنا الحاضر، بما أن المجتمع لا تستقيم حياته دون نصفه الجنسي الآخر. وهو موفق في رؤيته التي يجب أن تبنى على فهم صحيح للنص القرآني في ظل حقوق الإنسان وتحرر الفكر الإسلامي من الجاهلية. ذلك:

(المرأة مقياس تطور المجتمع، وقمعها أحد علامات تخلف المجتمع، حيث تعيش المرأة مسلوبة الإرادة والاختيار، تفرض عليها قيم بائسة، تحرمها أبسط حقوقها، وتقصي قدراتها الخلاقة، فتحرم المجتمع نصفه. بينما تعيش المرأة في الغرب إنسانا كاملا في كل مرافئ الحياة، في الحقوق والواجبات. فالمطلوب تكريس ثقافة تعيد الثقة للمرأة كي تمارس دورها في المجتمع، وتمنحها الثقة لتواصل الحياة عضوا فاعلا ونشطا أسوة بالرجل. خاصة وللمرأة دورها البناء في تربية الجيل، وزرع الثقة فيه وصدق الشاعر حافظ إبراهيم، حينما قال:

الأم مدرسة إذا أعددتها                        أعددت شعبا طيب الأعراق

              إضافة الى ما تقدم من مظاهر التخلف في مجتمعاتنا هناك؛ عدم الشعور بالمسؤولية، التمرد على القانون، الإسراف، قيم التفاضل في المجتمع القائمة على أاسس غير إنسانية، بينما المنطق القرآني يحصر التفاضل بالتقوى: "أن أكرمكم عند الله أتقاكم". الحس الطائفي والقومي ... إلى غير ذلك)[9].

فهو من هذا المنطلق الذي يركز على إعادة فهم فقه المرأة وفلسفة وجودها في المجتمع من منطلق نقدي وعقلاني ( يؤكد على توظيف الخطاب الديني العقلاني، وقيم الحضارة الحديثة، والقيم الأخلاقية والإنسانية، لإعادة تشكيل وعي الرجل بالمرأة، وانتزاع اعتراف حقيقي بإنسانيتها، يضعها على قدم المساواة معه. للتخلص من منطق المنة والشفقة والتكرم والتفضل المستوطن وعي الذكر في تعامله معها)[10].

تنطق هذه الأمثلة بمشاكسة ماجد الغرباوي ونقده للسرديات الكبرى للنص الديني خاصة منه التراثي، تحريرا للعقل المسلم من سلطتها وقدسيتها وأسطرتها، بما يستحضر نقد البعد التاريخي المؤدلج المنتج للمعنى وظلاله الديني، لغاية فتح آفاقا واعدة عقلانية لفهم الدين فهما صحيحا كقيمة إنسانية لا كسلطة فوقية تقتل الإنسان.

4 ـ نحو آفاق جديدة في مشروع ماجد الغرباوي النقدي:

مشروع ماجد الغرباوي النقدي في جوهره مشروع تنويري وتحرري للفكري والروح،  ينفتح على آفاق واعدة، تؤطره بعض العلامات الاستفهامية من قبيل:

ـ الاغتراب الديني للمجتمعات الإسلامية، سواء بارتداد للماضي، أو باستمراره في الحاضر، أو بمفارقة الماضي عن الحاضر. أيكفي فيه المنهج التأويلي التاريخي لتجاوزه، أم يتطلب ذلك مشروعا اجتماعيا ثقافيا أوسع؟

ـ هل تشريح وتفكيك السلطة التأويلية التقليدية كاف بدرجة كبيرة، أم يجب بناء سلطة معرفية جديدة تتجاوز الفردية النخبوية والمؤسسة المتعالية والسلطة المتسلطة؟

ـ بناء على واقع الحال وما يؤول إليه كل يوم من ترد؛ هل يستطيع الفكر النقدي الديني أن يحدث أثرا عظيما وكبيرا وعقلانيا في مجتمعاتنا التي مازلت لم تبرح القداسة والأسطرة، وتجرم النقد الديني باسم الدين والأسطورة والقداسة؟

ـ في ظل عقل خرافي، أيمكن للفكر التنويري بأسئلته النقدية أن يؤسس للحداثة، ويعيد أنسنة الإنسان؟ أم يستدعي ذلك العمل على بناء عقل علمي من جديد؟

ـ هل يمكن لمشروع ماجد الغرباوي النقدي تجسير الفكر الديني التقليدي والفكر الديني الحداثي من أجل تخليق إصلاح ديني شامل؟ أم سيظل مشروعه صوتا نقديا مبحوحا على هامش البنية المهيمنة في الفكر الإسلامي، وفي المجتمعات الإسلامية؟

            مجرد أسئلة للمستقبل، قد تشق طريقها للتداول أم تنكفئ على نفسها صدى كلمات ...

ـ إلى الختم:

مشروع ماجد الغرباوي لا يمثل مجرد نقد ديني فحسب، وإنما مشروعا تحرريا للوعي الديني، يتعامل مع الدين كخطاب وبنية وسلطة لا كعقيدة فقط. إن مشروعه يطرح سؤال الأنسنة والحرية قبل سؤال الإيمان، ويمركز تحرير الإنسان غاية كبرى في جوهر كل تأويل. وتبقى آفاق المساءلة في مشروعه مفتوحة، وحتمية لاستمرارية دينامية الفكر الديني، بما يجنب الفكر الإسلامي التنويري إعادة إنتاج صيغ جديدة للمركزية التأويلية باسم التنوير نفسه.

وبالتالي تجدني أقف على الاشتباك النقدي المعرفي في مشروع ماجد الغرباوي النقدي من خلال مقاربته النقدية لجملة القضايا والإشكاليات الدينية، حيث خصص لبعضها كتبا مستقلة كتحرير الوعي الديني، والعنف والاستبداد، وإخفاقات الوعي الديني، وقضية المرأة ... وكل قراءة أو نظرة عقلية في منجزه الفكري تقبل إمكانية النقد.

المراجع:

ـ ماجد الغرباوي، مقتضيات الحكمة في التشريع، متاهات الحقيقة9، أمل الجديدة/مؤسسة المثقف العربي، دمشق/سيدني، سورية/استراليا، 2012، ط1.

ـ د. ماجدة غضبان وماجد الغرباوي، المرأة والقرآن حوار في إشكاليات التشريع، العارف للمطبوعات/مؤسسة المثقف العربي، بيروت/سيدني، لبنان/أستراليا، 2016، ط1.

ـ د. رمزي نعناعة، الإسرائيليات وأثرها في كتب التفسير، دار القلم/دار الضياء، دمشق/بيروت، سوريا/لبنان، 1390/1970، ط1.

ـ د. عبد السلام الخراز، السمات الأسطورية في بعض تفاسير القرآن الكريم؛ تفسير الخازن لسورة البقرة نموذجا، عالم الكتب الحديثة، إربد، الأردن، 2016.

ـ ذ. ماجد الغرباوي، النص وسؤال الحقيقة نقد مرجعيات التفكير الديني، دار أمل الجديدة/مؤسسة المثقف العربي، دمشق/سيدني، سورية/استراليا، 2018، ط1.

ـ ماجد الغرباوي وطارق الكناني، مدارات عقائدية ساخنة حوار في منحنيات الأسطرة واللامعقول الديني، دار أمل الجديدة/مؤسسة المثقف العربي، دمشق/سيدني، سورية/استراليا، 2017، ط1.

ـ ماجد الغرباوي، تحرير الوعي الديني، متاهات الحقيقة5، أمل الجديدة/مؤسسة المثقف العربي، دمشق/سيدني، سورية/استراليا، 2012، ط1.

ـ د. محمود محمد علي، العقلانية النهضوية في المنجز الفكري لماجد الغرباوي، العارف للمطبوعات، بيروت، لبنان، 1445/2024، ط1.

  - Le petit Larousse Illustré, Larousse, 2014.



[1] ماجد الغرباوي، مقتضيات الحكمة في التشريع، متاهات الحقيقة9، أمل الجديدة/مؤسسة المثقف العربي، دمشق/سيدني، سورية/استراليا، 2012، ط1، صص.:255 ـ 256.

* من خارج النص.

[2] د. ماجدة غضبان وماجد الغرباوي، المرأة والقرآن حوار في إشكاليات التشريع، العارف للمطبوعات/مؤسسة المثقف العربي، بيروت/سيدني، لبنان/أستراليا، 2016، ط1، صص.:27 ـ 28.

[3] د. رمزي نعناعة، الإسرائيليات وأثرها في كتب التفسير، دار القلم/دار الضياء، دمشق/بيروت، سوريا/لبنان، 1390/1970، ط1، ص.:223.

[4] . عبد السلام الخراز، السمات الأسطورية في بعض تفاسير القرآن الكريم؛ تفسير الخازن لسورة البقرة نموذجا، عالم الكتب الحديثة، إربد، الأردن، 2016، ص.:37.

[5] انظر:

- Le petit Larousse Illustré, Larousse, 2014,p. :763.

[6]  ذ. ماجد الغرباوي، النص وسؤال الحقيقة نقد مرجعيات التفكير الديني، دار أمل الجديدة/مؤسسة المثقف العربي، دمشق/سيدني، سورية/استراليا، 2018، ط1،  ص.: 151.

[7] ماجد الغرباوي وطارق الكناني، مدارات عقائدية ساخنة حوار في منحنيات الأسطرة واللامعقول الديني، دار أمل الجديدة/مؤسسة المثقف العربي، دمشق/سيدني، سورية/استراليا، 2017، ط1،  ص.: 149. في جواب عن سؤال الأستاذ طارق الكناني رقم:32.

[8]  ماجد الغرباوي، النص وسؤال الحقيقة نقد مرجعيات التفكير الديني ، مرجع سابق، ص.:292.

[9] ماجد الغرباوي، تحرير الوعي الديني، متاهات الحقيقة5، أمل الجديدة/مؤسسة المثقف العربي، دمشق/سيدني، سورية/استراليا، 2012، ط1، ص.:390.

[10] د. محمود محمد علي، العقلانية النهضوية في المنجز الفكري لماجد الغرباوي، العارف للمطبوعات، بيروت، لبنان، 1445/2024، ط1، ص.:31.

مقاربة ماجد الغرباوي النقدية للنص الديني

 

مقاربة ماجد الغرباوي النقدية للنص الديني

"من سلطة المقدس الديني والسياسي إلى أفق التحرر"

عبد العزيز قريش

النص الديني سواء أكان هنا نصا مقدسا أو نصا تراثيا أو نصا حداثيا، لا تستبعد احتمالية النصين الثاني والثالث للخطإ، بحكم أنهما منتوج إنساني. المقرر فيه إمكانية الخطإ لجلب التصحيح، وفي ذلك تطوير للنص الديني التراثي والحداثي ليستقيم مع التاريخ والواقع، ويفتح أوراقه الصفراء والبيضاء على حيز الإمكان النقدي الديني.

والنقد الديني ضرورة حتمية إذا أردنا تجاوز مطباتنا المتنوعة، ما تعلق منها بالفكر، أو الفعل، أو القيم، أو الماضي، أو الحاضر، بما يمنحنا آفاقا للغد. ومن هنا سأنطلق من باب البديهة المنطقية التي تفيد أن انحصار الفكر الديني الإسلامي ناتج عن انحصار عقلنا وانغلاق نوافذ عدة في كفاية التفكير لديه. بما أنتج معوقات شتى في وجه نهضتنا الإسلامية. وتحت ظلالها، توجد القديمة منها المستجدة، والمستجدة القديمة، ومن بينها يقع مبحث الإسرائيليات في الفكر الإسلامي وثقافته، وعائدها السلبي على الفكر ذاته، ثم على الفرد والمجتمع وجودا وحضورا في الفعل الحضاري.

فالإسرائيليات مثلا في التفسير، وتساوقا مع الأسطورة بمفهوم الحقيقة المضخمة خياليا " كالمثالية المتعالية للصحابة رضوان الله عنهم وعصرهم، التي تخرجهم عن طورهم البشري إلى الملائكي، أو كعصمة الولي الفقيه التي تخرجه من إمكانية الخطإ إلى استحالته"، تجد لها موقعا في معظم التفاسير خاصة منها التفسير بالمأثور. (والحق: أن ما في كتب التفسير من المسيحيات أو من النصرانيات هو شيء قليل بالنسبة إلى ما فيها من الإسرائيليات، ولا يكاد يذكر بجانبها، وليس لها من الآثار السيئة ما للإسرائيليات، إذ معظمها في الأخلاق، والمواعظ، وتهذيب النفوس، وترقيق القلوب)[1]. وسأورد هنا مثالا لا حصرا عن ذلك من (عدة نماذج من هذه الاسرائيليات التي أوردها مقاتل[ابن سليمان البلخي، ت.: 150هـ/767م بالبصرة]* في تفسيره وقد نقلها عنه بعض المفسرين مع بعدها عن روح الاسلام وهدي القرآن الكريم . ذهب مقاتل في تفسير الكرسي في قوله تعالى: "وسع كرسيه السموات والأرض" مذهبا أقرب ما يكون إلى الخرافة، فقال ما نصه: يحمل الكرسي أربعة أملاك، لكل ملك أربعة وجوه، أقدامهم تحت الصخرة التي تحت الأرض السفلى مسيرة خمسمائة عام، وما بين كل أرض مسيرة خمسمائة عام، ملك وجهه على صورة الإنسان وهو سيد الصور وهو يسأل الله الرزق للآدميين، وملك وجهه على صورة سيد الأنعام وهو الثور، يسأل الرزق للبهائم، وملك وجهه على صورة سيد الطير وهو يسأل الله عز وجل الرزق للطير، وهو النسر، وملك على صورة سيد السباع وهو الأسد وهو يسأل الرزق للسباع. ولم يذكر مقاتل الإسناد الذي اعتمد عليه، بل أورد الأثر محذوف الاسناد مع أنه من السمعيات التي لا تقبل إلا إذا وردت في القرآن أو رويت عن المعصوم صلى الله عليه وسلم .وقد أورد الملطي في كتابه "التنبيه والرد"، الأثر الذي ذكره مقاتل وأسنده إلى وهب بن منبه. وهذا يؤكد أنه من الإسرائيليات التي أخذها مقاتل عن أهل الكتاب)[2].

(لم يسلم تفسير الإمام الطبري على جلالته وأهميته من الروايات الإسرائيلية، وهذه من المؤاخذات التي يقرها المفسرون عليه من بعده. وقد أخذ على تفسير ابن جرير أنه يذكر الروايات من غير بيان وتمييز لصحيحها من ضعيفها، حيث يأتي ابن جرير بأخبار وروايات من القصص الإسرائيلي، وقليلا ما يتعقبها بالبحث والنقد، هذه الروايات يسندها إلى كعب الأحبار، ووهب بن منبه، وابن جريح)[3]. وعجائب وغرائب الخرافات والهمروجات لا تنتهي عند حد، تروى على المنابر في خطب الجمعة من أهل النقل ودعاة السنة، كالأحاديث الموضوعة والمنقطعة والمرفوعة؛ فقد ورد في بابه حديث موضوع مرفوع، وهو ما روي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الأرض على الماء، و الماء على صخرة، والصخرة على ظهر حوت يلتقي حرفاه بالعرش، والحوت على كاهل ملك قدماه في الهواء)[4]. كيف لكتب دينية يأخذ القوم منها دينهم وعقائدهم وعباداتهم تكون بهذا الخيال الأسطوري الإغريقي وميثولوجيته؟ التي أرى وجه تفسير الكرسي السابق في مرآتها، منعكسا في الإثنا عشر إلها، وهم:

    زيوس  "Zeus" ملك الآلهة، وإله السماء والرعد والعدالة. وهيرا  "Hera" زوجة زيوس، وملكة الآلهة وإلهة الزواج والنساء والعائلة. وبوسيدون  "Poseidon" شقيق زيوس، وإله البحار والزلازل والخيول. وهاديس  "Hades" شقيق زيوس، وإله العالم السفلي والموتى، وأثينا  "Athena" خرجت من رأس زيوس بكامل درعها، وإلهة الحكمة، والحرب الدفاعية، والحرف. وأبولو "Apollo" توأم أرتميس، وإله الشمس، الموسيقى، الشعر، النبوءة، والشفاء، وأرتميس "Artemis"إلهة الصيد، والحيوانات، والعذرية، والقمر. وآريس "Ares" إله الحرب والدمار والمعارك العنيفة. وأفروديت  "Aphrodite" إلهة الحب، والجمال، والرغبة. وهيرميس "Hermes" رسول الآلهة، وإله التجارة، السفر، السرعة، واللصوص. وهيفايستوس  "Hephaestus" زوج أفروديت، رغم قبحه إله النار، والحدادة، والصناعة. وديميتر "Demeter" إلهة الزراعة، والحصاد، والخصوبة. وفيها آلهة أخرى يطول المقال بها من حيث نروم الاقتصار. أليس هذا مدعاة للنقد الديني لكتب مدحت في التفسير واشتهرت بصحة معارفها وحقائقها؟

ومن هذه الإسرائيليات الواردة في تراثنا الديني، أنطلق إلى ضرورة وحتمية النقد الديني لغربلة هذه الشوائب، التي زعم الكثير من المفسرين الأخذ بها في باب الإخبار التاريخي والأخلاق والتهذيب النفسي ... مع تبيان مصدرها وضعفها. فكيف لمفسر أن يرضى في ما يفترض فيه العلمية والدقة والمنهجية والصدق والحقيقة إدراج مثل هذه الترهات في تفسيره! أيجوز أن نستغفل الناس؟ ونمهد لتجهيلهم وتستذجهم؟ لذا؛ وجدنا العديد من النقاد الدينيين يكتبون المطولات في شأنها حتى يعي الناس ما في كتبهم من أساطير بمعناها الدارج عند العربي والمسلم ومعاجمهم اللغوية، وهو الخرافة. ومن بين هؤلاء المفكر التنويري ماجد الغرباوي الذي يسلك في مقاربته النقدية للنص الديني استحضار منطلقات الاشتغال كالبعد الميتافيزيقي والفلسفي، وعدم منع قداسة النص مقاربته وفهمه، وقدسية المنطوق الشرعي محصنة بحدود ما ورد في كتاب الله تعالى، بمعنى قابلية نقد ما لم يكن محصنا بحدود ما ورد في كتاب الله، وهو ما يمنح النص الديني خصوبة وثراء وعمقا وتأويلا وحفرا في مضمراته، ومنطق الحق والمبادئ الأخلاقية في التناول، واستحضار الواقع في تناول النص وفهمه، وفعلية الموضوع، والمنطوق الشرعي التشريعي حكر على رب العالمين، بما يفيد أن المنطوق الشرعي التشريعي الذي لم يصدر عن الله قابل للنقد كما قابل للرفض، والمنطوق الشرعي لا يسع الواقع ولا يغطيه مما يستدعي الاجتهاد وفتح الآفاق للواقع أن يصحح ويوسع هذا المنطوق، والاعتراف بالوحي والنبوة ... وأما الآليات فتتنوع في مشروعه كالمنهج التاريخي، والتأويل، كما يوظف من بعيد الظاهراتية/الفينومينولوجيا. من خلال أدوات تحليلية متنوعة وغنية تتقاطع مع المنهج الظاهراتي، فهو لا ينتمي بالمباشر إلى هذا التيار الفلسفي. لكن يظهر اشتغال تلك الأدوات بوضح في تناوله ظاهرة التدين، فهو لا يحلل البنى الخارجية للنصوص الدينية، أو أنساقها السلطوية فحسب، بل يذهب عميقا في خبرة المتدين الذاتية، من حيث كيفية تشكيل المقدس ظاهرة معيشة الوعي الفردي والجمعي. وبذلك يقترب من المنهج الظاهراتي الذي لا يستغرقه كفلسفة ونهج. فتوصف التجربة في ظل تغييب الأحكام المسبقة، والمقاربات الخارجة عن الذات حين حضورها، فتتجلى التجربة بكل وضوح للذات.

وتظهر هذه الرؤية في عناوين كالتدين، والمواقف، والاجتهاد، والعقل ... فمظاهر وتجليات التدين يحللها ويقاربها نقديا كخبرات وجدانية إنسانية تتفاعل مع الخطاب الديني، وليس كاستجابات آلية لشرطيات المقولات الدينية، أو انعكاسات مباشرة للنصوص. في المقابل تحلل القداسة، والطقوس، والإيمان ... تجارب وجدانية وشعورية داخلية لا مجرد طقوس خارجية، تشكل الوعي، وتعيد إنتاج السلطة الرمزية من جديد. وهذا التموقع التحليلي يمنحه إمكانية مساءلة البعد التأويلي للمقدس انطلاقا من الذات، وهو ما يضفي على نقده بعدا أنثروبولوجيا وفلسفيا يتجاوز المقاربات التقليدية للفكر الديني.

والرجل كذلك لا يخوض مغامرته الفكرية في قراءة النص الديني من داخل عباءة التفكيك (لست مع متاهات التفكيك، غير أني أسعى لأقصى ممكنات الغوص في أعماق الظواهر الاجتماعية والدينية لإدراك الحقيقة، وتقديم قراءة موضوعية، تنأى عن المراكمة فوق ركام الخراب المعرفية ودوامة التخلف. وأطمح لرؤية مغايرة وفق مبادئ عقلية متحررة من سطوة الخرافة واللامعقول وأوهام الحقيقة، ورهاب النص وقدسيته)[5]، ولا من المنظور الفلسفي المحض، ولا من القراءة العاطفية الذاتية غير الموضوعية، ولا من باب المؤسسة الدينية الوعظية، الآمرة بالمعروف الناهية عن المنكر، منذ مأسسة الدين، المعتمدة على امتداد التاريخ الإسلامي، بل ينطلق في ذلك، من أرضية مختلفة ومغايرة للسائد عند أغلب المفكرين الدينيين، إذ، تؤمن بأن كل الخطاب الديني هو منتج تاريخي بمعطيات تاريخية معينة متساوقة مع زمان ومكان وحدث الإنتاج، لا خطابا ميتافيزيقيا متعاليا معزولا عن لحظته التاريخية، حاملا معنى ثابتا خالدا، خارج منطق الزمان وسنة التغير.

            قراءة النص الديني الأولى تكون وفق المعطى التاريخي وسياق وقت الإنتاج، والقراءة الثانية تكون وفق المعطى الواقعي لحركية المسار التاريخي للمؤمن الديني، بتعبير آخر تنطلق من الواقع/الخارج إلى النص الديني/الداخل. وهي في طياتها تحمل فهم العلاقة بين الواقع والنص، المبني على فهم ودراية حركة الواقع. وهنا تكون القراءة الأولى ـ إن انحصرت في ذاتها ـ منغلقة على نفسها سكونية أو جامدة أو ماضوية ـ وتكون قراءة لا تاريخية. وهو ما وقع ويقع في الفكر الديني الإسلامي ـ تتجاهل السياق التاريخي والاجتماعي والثقافي للنص، وتتعامل معه ككيان مطلق، معزول عن شروط إنتاجه، فتجمد المعنى وتقدس الحرف وتقصي الإنسان والتأويل المعاصر، و ترفع من شأن النص وحده، وتعتبر اشتغالها عليه هو الثابت في تقديم الحقيقة، فتجمد بنيتيه اللغوية والموضوعية، وتضيف إليهما تجميد الوظيفة والمنهج، وتفصله عن شروطه الواقعية.

تتخندق في واقع ثابت غير متحرك راكد، لا تساءل الواقع ولا تتفاعل مع تحولاته ومتغيراته. فلا تنتج إلا نفسها بصيغ مترادفة أو متناسخة، منطلقة من النص الديني لخارجه، بمعنى تكرار إنتاج نفسها بدعوى أنها الحقيقة المطلقة، فتقع بطبيعتها في دائرة المساءلة النقدية، حيث (النقد هو الوحيد القادر على تحدي النص في مراوغاته، خاصة مراوغات الخطاب الديني الذي تقتصر مهمته على تسويق الحقيقة، وإقناع المتلقي بها، وترسيخها، وتحصينها، فمهمة الخطاب مهمة أيديولوجية، تستبعد نقد ومراجعة الذات، وتكتفي بالعزف على وتر العواطف، وتزوير الوعي بفعل العقل الجمعي وما تختزنه قبليات الفرد والمجتمع فالخطاب يمارس دورا خطيرا حينما يتستر على حقيقة رسالته من خلال تقنياته واستراتيجياته في التأثير قد لا يتفاعل المتلقي مع النص مباشرة، ولا يدرك أهدافه، وربما لا يترك أي أثر في نفسه، لولا قوة الخطاب، وأسلوبه في تمرير ما يبدو أنها مسلمات. فالحقيقة الدينية تراهن على قدرة الخطاب في ترسيخ الإيمان وإقناع المتلقي. وهو عندما يعجز في الارتكاز للمقدمات العقلية والبرهانية، يبالغ في خطابه العاطفي والأيديولوجي)[6].

و(لیس ثمة ما يبرر قدسية التراث، وتعاليه فوق النقد والمراجعة، مادامت جميع نصوصه، بما فيها النصوص الدينية، تاريخية. كانت ناظرة للواقع، تعالج قضايا كانت مرتهنة لظرفها، وقد مر عليها قرون، نصوص بشرية وعقول مفكرة مثلنا، لها غاياتها ومقاصدها. تتأثر بقبلياتها وثقافتها وإيديولوجيتها، فهي غريبة عن واقعنا وإشكالياتنا ومعاناتنا وتحدياتنا. ينبغي الاستفادة من التجربة التاريخية وتوظيف قيمها الإنسانية، والبحث عن مرجعيات تنجح في تسويات الواقع وحاجاته. لكن لا إطلاق لها خارج ظرفها الزمكاني. إن أسطرة النصوص والرموز التاريخية والدينية لا يغير من الحقيقة. كل ما صدر بعد وفاة الرسول نصوص ثانوية بشرية تشتغل على المدونة الأولى فهما وتفسيرا، ومن الخطأ الاستسلام لها بدعوى القداسة عندما تحجب النص الأول وتحل محله. وهذا ما يفعله العقل التراثي، فإنه يتخذ من النصوص الثانوية/الروايات مرجعية أولى في فهم النص الأول/القرآن وكانوا يدينون أي مقاربة للنص القرآني بعيداً عن الروايات. وهذا النوع من التفسير يتمسك به السلفيون، ويسمى: التفسير بالأثر، حيث يغادر العقل، ويحرم الاجتهاد في التفسير بلا دليل روائي. لا فرق في ذلك بين مذهب وآخر. نحن نعاني بشدة من قداسة الرموز التاريخية وسلطتهم المفروضة على فهم النصوص. يضعون حلولا لواقعنا وهم في قبورهم. يتعذر النهوض مع وجود عقول مرتهنة للماضي بكل حمولته، ويرفضون الاجتهاد مقابل النص مطلقا، بدعوة قدسيته وعجز العقل عن إدراك ملاكاته. الأمر برمته مرتبط بالحداثة ومناهج التفكير من أجل نهضة تمهد المجتمعات آمنة مستقرة، تتبنى القيم الأخلاقية، وتسعى لضمان حياة حرة كريمة للإنسان. أو بعبارة أخرى: هدف التنوير استعادة مركزية الإنسان وتحقيق التوازن الروحي والمادي، مما يستدعي تجديد مناهج التفكير، بعيدا عن البنية الأسطورية أو القروسطية)[7].

وتبقى تلك القراءة المتعالية على النقد والمراجعة بحكم جمودها وادعائها القدسية موقع صراع بين سلطة التأويل وحضور الإنسان لتجاوزها ومخلفاتها الفكرية والثقافية والاجتماعية والتشريعية والسلوكية والتربوية. التي تبقى معها بحكم كونها خطابا دينيا موجها للمؤمن والمجتمع وللتنظيم السياسي والمعاملة البينية والعلاقات، لها سلطتها على المؤمن في الاتباع لا الإبداع، وفي الطاعة لا العصيان، وفي التنفيذ لا التعطيل ... تبسط مساحات شاسعة لفعل السياسة فيها، لارتباطها بالبعد الاجتماعي بالدرجة الأولى الذي يحتضن الناس والأفعال والعلاقات والسلوك والقيم. فكانت مجالا لتدخل الإيديولوجيا كمرتكز للبعد السياسي ثم الاستبداد الديني. (الإسلام ولد دينيا، وانتهى سياسيا. يظهر هذا جليا من خلال التوظيف الدلالي للآيات لصالح الموقف السياسي، وترسيخ السلطة، ومرجعياتها الفكرية والعقائدية، فتعددت دلالاته تبعا لزاوية النظر)[8]. بل، وكذلك اختلاق سنة تساير كل التيارات السياسية، وقرارات السلطان، بدليل الوقائع التاريخية والواقعية في عصرنا هذا، التي تشدنا إلى التخلف. ويكفي أن تسمع شيخا يفتي بعدم الخروج عن ولي الأمر، ولو رأيته يرتكب المنكر والرذائل والمحرمات على شاشة التلفاز؟! ... قمة طاعة الديني للسياسي، وخدمته بثمن، أو بالمجان.

ومنه تلك القراءة المغلقة على نفسها التي أنتجت معمارا فكريا معرفيا تقليديا، هي التي سمحت بتشكيل قدسيتها من النص المقدس، لتوظيفها لصالحها ومصالحها كمؤسسة دينية ـ سياسية. وكان ذلك منذ عهد سقيفة بني ساعدة، حيث (ما إن انتهت مرحلة نزول الوحي بوفاة النبي، بدأت مرحلة تأويل النص المقدس، وتزوير الوعي الديني، بدوافع شتى، أخطرها السياسة حينما تفرض نفسها على التأويل، فيغدو نصا جديدا، وتفسيرا رسميا يصادر النص الأول، ويعيد تشكيل الوعي ... وكما أن ثنائية السلطة والمعارضة كانت وراء التمادي في تأويل الآيات وتزوير الوعي ووضع الروايات. فأيضا كانت السياسة سببا أساسا في نشوء المذاهب والفرق، وتأسيس مرجعيات فكرية وعقدية جديدة. وعندما دشن الخلفاء بنزاعهم على السلطة مرحلة الإسلام السياسي، وتسييس الدين، أبقوا على قدسية النص، لشرعنة التأويل، فهو طاقة، يستمد قوته من مرونة النص المقدس وثرائه ورمزيته، ويبقى القارئ ومهارته في توظيفه. ولم ينته الأمر، بل كان هذا تأسيسا لوعي تأويلي جديد، يكتسب شرعيته من انتسابه لقدسية النص)[9]. وهنا أسجل بمناسبة تسييس الدين؛ يجد التسييس أغلب الفقهاء والعلماء من طبيعة الدين. فالنص المقدس ليس للعقائد والعبادات فقط، بل دستور سياسة، يسوس الناس في مجتمعهم تنظيما وتشريعا وممارسة وقضاء ... لذا وضعوا ما يسمى السياسة الشرعية ببعدها العام وهو تدبير الشأن العام بقواعد الدين وضوابطه. وببعدها الخاص وهو ما يصدره السلطان من قرارات وتشريعات تهدف المصلحة العامة بما فيها درء فساد واقع وزجره، أو وقاية من فساد متوقع ومحتمل، أو علاج وضع خاص.  وهذا البعد الخاص هو الباب الذي دخل منه الاستبداد السياسي إلى عقر دار المسلمين، حيث هو الذي يلبس لبوس الدين من كونه يبحث في متغيرات المسائل والقضايا التي تدور أحكامها بمتغيرات مناط الحكم فيها، أو تلك الأحكام والتشريعات والقوانين التي صدرت، يخير ولي الأمر أو من ينوب عنه بينها تبعا للمصلحة. وبهذا الربط بين ما هو ديني وما هو سياسي، تدافع عنه المؤسسة الدينية والمؤسسة السياسية، ويرفضان الفصل بينهما، كما ذهب إليه حديثا الدكتور سعد الدين العثماني في كتابه: " الدين والسياسة تمييز لا فصل" حيث يدعو إلى تمييزهما لا فصلهما في الحياة العامة. وهنا؛ تتبدى لي علامات استفهام جوهرية: ألا توجد مصلحة فردية أو جماعية من خارج التشريع الديني؟ ألا يمكن أن توجد في الموروث القيمي والأخلاقي والقانوني والتشريعي الإنساني غير الديني؟ ألا يمكن اعتبار طرفي المعادلة الدين والسياسة تلازم يفضي بالممارسة إلى الاستبداد؟ وفي هذه الحالة أين الدين من المصلحة العامة والخاصة؟ أيمكن عزل النص الديني بالمطلق  عن الممارسة المجتمعية، ليبقى نقيا مثاليا ومتعاليا داعيا للمصلحة العامة والخاصة؟ ...   

وانطلاقا من تلك الرؤية التاريخية للنص الديني؛ يقع الواقع في مركزها. الذي يجب أن تستحضره في مقاربتها فيما يتعلق بالنص ومتعلقاته المتنوعة بما فيه القراءة التأويلية، وتشريع الأحكام وتدوين الأخلاق، وتوجيه السلوك والعلاقات. ذلك أن (مراعاة الواقع يعد أمرا مهما في منهج مقتضيات الحكمة، بل يجب مراعاته، لتوقف فعلية موضوع الحكم على فعلية جميع ما يرتبط به. الواقع هو موضوع الحكم، ترتهن فعليته لفعليته، وعندما يتغير الواقع يتغير موضوع الحكم، ومن ثم تتغير فعلية الحكم. لذا يفشل كل فقيه لا يراعي شروط الواقع وحاجات الإنسان)[10]. وهو المسلك المنهجي الذي يشتغل به المفكر ماجد الغرباوي على النص، حيث (منهج مقتضيات الحكمة القائم على فلسفة الأحكام وتأصيل العقل مقارنة بمنهج الفقهاء في استنباط الأحكام الشرعية، وقدرة الأول على مواكبة الحياة والاستجابة للواقع ومتطلباته، عكسا للثاني الذي يرابط في القرون الأولى من بعثة الرسالة، يلغي الواقع وضروراته ويجرد الأحكام الشرعية من تاريخيتها. وكذا جرى الحديث عن الفارق النوعي بين الفقه التقليدي الذي يعتقد بوجود علل خفية وراء الأحكام تقتضي الانغلاق على النص والجمود على حرفيته وظاهره، ومنهج مقتضيات الحكمة الذي يؤكد قيام التشريع وفقا لمقتضيات الحكمة: ما كان واجبا من أحكام الشريعة قد لا يكون كذلك الآن، وما كان محرما قد يكون مباحا. الأول يرتهن شرعية الحكم لقدسيته فيمهد لتوظيفه أيديولوجيا وسياسيا، بينما يرتهن الاتجاه الثاني شرعية الحكم لمبادئه وملاكاته، فيمتنع تكريسه خارج سياقات مبادئه الأخلاقية)[11]،

المفكر ماجد الغرباوي انطلاقا من رؤيته التاريخية للنص؛ يؤسس مقاربته النقدية على قاعدة جوهرية: أن الدين، كما وصلنا، ليس فقط تجربة روحية خالصة، وإنما خطاب مؤدلج سياسوي، لخروجه من طبيعته الدينية إلى طبيعة السياسة، فلم يبق في وظيفته الدينية الأولى، بل انتقل إلى الوظيفة السياسية. تراكمت عليه طبقات من التأويلات السلطوية، حتى انفصل وانقطع عن نسغه الإنساني الأصيل. فالنص الديني جاء لتحرير الإنسان من عبودية المخلوق إلى عبودية الخالق، والذي من المفترض أن يكون معينا ومساعدا للإنسان على الحرية، تحول بدافع السلطة السياسية وتواطئها مع السلطة الدينية، وبفعل التراكمات التأويلية الفقهية واللاهوت السلطوي والسرديات الخيالية والأسطرة، وتمجيد الرموز الدينية ونقلها من بشريتها إلى ملائكية مثالية متعالية لا يمكن مضاهاتها ولو اقتديت بها، وبذلك يخلو العصر الحالي من أمثالها، وعليه الرجوع إليها في كل شيء! وبالتالي؛ نقل النص الديني إلى أداة ترويض العقل وتدجين الوعي، وإقصاء كل سؤال نقدي يفتح الفكر الديني والقراءة التأويلية المتحركة على إمكانات التجديد والاجتهاد والإبداع، والخروج من التخلف الفكري والسياسي والحضاري. وإبقائه في دائرة الجمود والتحجر. وهو ما يناقض طبيعة الأفكار، حيث طبيعة البنية اللغوية للنص القرآني، وطبيعة بنية الموضوعات القرآنية كلتاهما (مفتوحتان غير منغلقتين. ولعل اتساع حدود التأويل ما هو إلا انعكاس للأولى، وانطلاق الاجتهاد تعبير عن الثانية، وإن كان الموقف المحافظ قد حاول إغلاق الدائرتين بإحكام وصل حد اختلاق ووضع الأحاديث النبوية، لكي تضع للنص القرآني مفاتيح جاهزة لتفسيره وتأويله. وهو أمر ليس غريبا على كل المواقف في التاريخ، فما أن تبدأ فكرة ثورية في السيادة حتى يتلقفها من يستطيع أن يؤطرها ويجمدها ويجعلها تقف في مهب الريح تبعاً لعوامل اجتماعية أو سياسية أو مصلحية، فتبدو الفكرة جامدة لا تتطور، وتبدو متراجعة إلى الوراء. لا شك أن الزمن يتجاوز كل الأفكار، فما يكون متقدما في عصر يغدو متخلفا في عصر آخر، وما هو نقدي في زمن يبدو محافظا في زمن آخر، فليست هناك فكرة واحدة صالحة لكل العصور)[12].

            والعبث السياسي بالدين ما كان ليقع لو لم تكن للفكر الديني الإسلامي قابلية ذلك، لما أسقطوه من تأويلات وتفسيرات تساير غياب العقل وانتشار الخرافة والأسطورة في القول الديني التراثي، وإبعاد النقد الديني عن الساحة الدينية. العاملان اللذان استغلتهما الإيديولوجية لتتوغل في كل مفاصل الفكر الديني التراثي الإسلامي، مستفيدة من النص المقدس الذي يمتلك البعد العقائدي المشكل للشخصية الإسلامية الفردية والجمعية. والتي تضفي القدسية على كل ما يأتي من الدين وبعده الممتد عبر المؤسسة الدينية، التي ترقى إلى الطاعة العفوية واللامفكر فيها. وما كان لخطابها (الأيديولوجي أن يستغل النص الديني المقدس، لولا مرونته العالية. فمرونته قد فتحت آفاق التأويل والتفسير تبعا لتعدد المقاربات الفكرية والعقيدية، لتأثر قراءة أي نص بقبليات المقاربة، وقدرة القارئ على استنطاقه وتأويله. لذا يتوقف تفكيك أي خطاب على نقد تلك القبليات والتحقق من مدى مطابقتها مع الواقع، وهي مسألة معقدة، تتطلب تنقيبا وحفرا معرفيا داخل بنية الخطاب، لتحري أنساقه، وتحليل مقولاته. لكنه أمر ضروري تتوقف عليه نهضتنا الحضارية)[13]. ولن يقع التفكيك دون نقد. والنقد الديني بؤرة يقوم عليها مشروع المفكر ماجد الغرباوي.

فمشروعه، كما أعلنه في كتابه "نقد الخطاب الديني" وباقي منجزه الديني الفكري، يسعى إلى فك الدوائر المغلقة، التي حولت النص الديني إلى سلطة ميتافيزيقية تحكم الواقع من خارج التاريخ. وفتح المجالات المسدودة من العلاقات والتأثير، من أجل كسر حدود انغلاقها الفكري والمؤسسي، والتحرر منها، ومن مقولاتها النهائية، بغية الانفتاح على الواقع والآخر، وتوسيع مجالات العقل والتفكير والتأمل الطويل والتأويل. لذا فكتابه النص وسؤال الحقيقة، يدرج مشروعه (ضمن مشروع نهضوي طموح لاستعادة وعي الفرد بعد نقد العقل الديني و مرجعياته المرتهنة في معارفها لقدسية التراث وأوهام الحقيقة، بعيدا عن المناهج العلمية، والكشوفات المعرفية الحديثة. فالكتاب يلاحق البنية المعرفية للعقل التراثي، لنقد مقولاته ومضمراته ويقينياته، وتحري مدى مطابقتها الواقع، وصدقية النصوص المؤسسة لها. ولا يكتفي بالنقد والتفكيك والتحليل، بل يواصل حفره وتنقيبه في بقع معرفية مستبعدة ومهمشة، تقع ضمن المتواري واللامفكر فيه، يتوقف على استدعائها فهم الواقع ومعرفة الحقيقة. وكيفية اشتغال النص وفرض حقيقته ومحدداته، خاصة التباس المقدس بالمدنس، والديني بالبشري، بسبب التباس المفاهيم وتزوير الوعي. إن نقد النص هو تعبير آخر عن سؤال الحقيقة، وهذه إحدى مهام [مشروعه النهضوي]* وهو يلاحق مرجعيات التفكير الديني بحثا عن مضمراتها، لفرز ما هو نسبي، وفضح مراوغات النص وتقنياته في وجود الحقيقة، لاستعادة الوعي وإعادة تشكيل العقل وفق نظام معرفي يرتكز للدليل والبرهان في معارفة وعلومه، من أجل نهضة حضارية نستعيد بها إنسانيتنا، ونستنشق رحيق الحرية، بعيدا عن سطوة التراث، وأسطرة الرموز الدينية)[14].

ويذهب بمشروعه النقدي إلى فتح الدوائر المغلقة للخطاب الديني، لا بهدف تدميرها، بل لإعادة تشكيلها على أسس عقلانية وإنسانية. وهو الذي يشير بوضوح إلى تغير الواقع، وتغير الإنسان كذلك، مقابل بقاء القراءة السكونية المغلقة على ذاتها والتفسير على حالهما، تكرر نفسها من خارج الوعي ـ مع الأسف ـ في حلقة دائرية منحبسة. لذلك؛ أولى مهام مقاربته النقدية مساءلة البنية التأويلية ذاتها، لا باعتبارها خرقا للنص، وإنما تحريا له من سطوة العصور الوسطى وميراثها الثقيل. ومن أهم المفاتيح الأساسية والرئيسة لفهم مشروعه النقدي، يكمن في تحرير الدين من سلطة "المأسسة" التي شكلت نفسها مؤسسة دينية لها تنظيمها وقواعدها ووظيفتها ومصالحها، ونصبت انطلاقا من ذلك نفسها ناطقا حصريا باسم المقدس والغيب والحقيقة المطلقة، وصنعت ما يسميه الغرباوي وجملة من النقاد الدينيين بـ"النص الثاني"؛ أي التراث الفقهي والكلامي، وبما يفيد بشكل عام من دلالة على مجمل التأويلات والشروح والفتاوى والمذاهب والاجتهادات التي فسر بها "النص الأول" /القرآن والسنة النبوية الصحيحة، عبر التاريخ الإسلامي. المجمل الذي يزاحم على تمثيل النص الأول، بل ويتجاوزه أحيانا في سلطته على المخيال الجمعي المفضي إلى قدسيته.

            هذا؛ وعند بعضهم كما عند ماجد الغرباوي النص الثالث، بما أن الثاني متعلق بالسنة النبوية الشريفة التي شرحت وبينت وفصلت النص المقدس/القرآن الكريم، فـ (سرت قداسة الكتاب لسنة النبي، باعتبارها شارحة ومبينة ومفصلة)[15]. والنص الثالث المتعلق بالشروحات والأقوال والتفسيرات والاجتهادات الإنسية، حجب النص الثاني، و استولى على موقعه في الفكر الإسلامي وفي التشريع وتدبير الشأن العام. وفي القدسية التي زعمها، والتي منحته سلطة القرار والقول معا، فـ (سرت قدسية النصوص المقدسة للنصوص الشارحة، وراح النص الثالث، الشارح والمفسر، يحجب النص الثاني، أو يجعل منه مرجعا مشروطا بفهمه، وباتت الحقيقة حكرا عليه، والخلاص مقتصر على مقلديه وأتباعه)[16]. و(إن وعي المسلمين مرتهن للمقدس، لذلك الغموض الساحر، الذي يداعب مشاعرهم، يبعث فيهم رهاب الحرية، والارتياب من العقل، والتوجس من التفكير، والاكتفاء بالانقياد والتسليم. وعي العقل التراثي للمقدس رهان الفقيه في شرعية سلطته، فهو الأمين على النص، والمسؤول عن شرحه وبيانه وفك رموزه وشفراته. وهو الوحيد المعني في استنباط الأحكام الشرعية. فَسَرَتْ قداسة النص إلى الفقه رغم بشريته، وبات الوعي الجمعي يُرادف بين الشريعة والأحكام الفقهية. الفقيه الناطق باسم الله. لا يحق لغيره ما يحق له. لا يمكن للعقل مهما بلغ إدراك مقاصد الأحكام وملاكاتها، فيتعبد بها الفقيه بعيداً عن العقل)[17].

وبما أن النص الثالث يمتلك هذه القدسية والسلطة، فإن ماجد الغرباوي يدعو إلى مساءلته من حيث كونه لعب دورا كبيرا في سكونية الفكر الإسلامي، وسكونية الأمة، من خلال سكونية المجال المعرفي والرمزي للأمة. ونقل طبيعة الدين من ممارسة العقلنة والوعي والتحرر إلى أداة هيمنة رمزية واجتماعية، وربط الإيمان بالطاعة العمياء، وبالتسليم، وتعطيل العقل، والاتباع والاستضباع ... وهو يسعى إلى تحطيم قدسية النص الثالث وسلطته وسطوته على خلق الله، بمنهجية تعتمد على تحرير الحاضر من الماضي عبر مقاربته تاريخيا، بتوظيف جملة من المناهج الحديثة. وهو في مقاربته النقدية لا يهدف هدم وتحطيم النص الديني التراثي، بل يسعى إلى إعادة قراءته قراءة تأويلية تؤمن بالحاضر مستفيدة من حسنات وإيجابيات الماضي، ونقد مرجعيات التفكير الديني المرتبطة به. فالمشكلة تكمن عنده في طبيعة النص الديني التراثي، وفهمه وتفسيره وتوظيفه، لا في الدين كوحي إلهي، وفي الفهم المبتسر، الذي لا يفرق بين القضايا المطلقة والنسبية في النصوص المقدسة، ولا يفرز الدين من الفكر الديني، الإشكال الذي يقود إلى تجريد التراث من تاريخيته والإذعان لسلطته وأحكامه. حيث (يعاني الوعى الديني من التباس الإلهي بالبشرى عبر فتاوى وأحكام اجتهادية نسبية تسوق على أنها تشريعات إلهية، تسلب الفرد حريته وإرادته عندما تفرض عليه قبليات المجتهد، سواء كانت عقدية أم أخلاقية، وتفرض عليه مواقف، يلتزم بها بدوافع دينية مهما تعارضت مع قيمه الإنسانية. ولعل الموقف من الآخر المختلف، بما فيه المختلف الداخلي أوضح المصاديق. يعيش معها الفرد حالة اغتراب عن طبيعته الإنسانية، فيحسب تصرفه تكليفا شرعيا قربة لله لتفادي تأنيب الضمير وقمع شكوك الحقيقة وهي تدوي في أرجائه. فنقد آليات وأدوات ومرجعيات ومباني الفقـيه، مهمة أخلاقية لاستعادة الوعي، كخطوة أولى للنهوض الحضاري. والاجتهاد أحد المصطلحات الفقهية الخطيرة، ارتفع به الخطاب الديني حد الاصطفاء الإلهي، بعيدا عن حقيقته وأساليبه في تزوير الوعى بل وتشويه القيم الدينية الأصيلة عندما يقحم الناس في صراعات عقدية وسياسية تحت عناوين طائفية وأيديولوجية، ويعتبر فتاويه وأحكامه ملزمة لأتباعه، ومبرئة للذمة، كما يكتبون في بداية كتبهم الفقهية عادة. أو عندما يشرعون لأحكام تتعارض مع القيم الأخلاقية والإنسانية، كالحيل الشرعية، وتبرير أخذ الربا بعناوين ثانوية، وحماية سلطة الاستبداد تحت شعارات طائفية ومذهبية)[18].

وما يميز كذلك مقاربة الغرباوي؛ أنها لا تكتفي بالنقد الخارجي أو الإدانة الأخلاقية، بل تتسلح بمنهج داخلي يقرأ النصوص الدينية ضمن سياقاتها التاريخية، ويعيد فتح الأسئلة المسكوت عنها حول العلاقة بين النص والواقع، وبين الخطاب والمصلحة، وبين النص والسلطة، وبين النص والفقه، وبين النص والسياسة والإيديولوجيا. وهي إشكالية قائمة بشدة في الفكر الإسلامي المعاصر، وأخذت الكثير من الجهود المعرفية والأكاديمية والفقهية والسنين، وتتجلى بشكل واضح وملموس في الفكر الديني الراديكالي، الذي يعيش انفصالا في الزمن، وغربة في الوجود. فلم يعد مقبولا سحب الماضي على الحاضر بكل منطوقه الفكري والتفسيري والتشريعي، وتجميده فيه. ويجب الخروج من مجال تقديس الماضي ورموزه، أو إعادة إنتاجه على حساب الحاضر، أو من خلال الحاضر المخالف له في أغلب معطياته ووقائعه وأحداثه وإنسه. لأنه لا يسلم الموروث التراثي الإسلامي بمنطق الواقع وبمنطق الطبيعة الإنسانية والسنن الكونية من احتمالية الخطأ. ومهما جهد القدماء في تأسيس منطق ومنهج لقول الحقيقة الدينية، فإن ذلك قد يخالف منطق الحاضر ومنهجه في قولها، وتدبيرها معرفيا وسلوكيا وأخلاقيا بتقنين العلاقة بين المؤمن والنصوص الدينية. وهذه الحقيقة غير محصورة فيما مضى أو فيما تراكم من معرفة دينية عبر العصور الإسلامية وبالأخص القرون الأولى بعد النبي عليه وآله السلام. ورغم بعض الجهود التي حاولت تجاوز رؤية السلف لما يقع في زمن الجمود الحضاري والعلمي والفكري، ظلت الرؤية المحافظة مع التيار السلفي بالدرجة الأولى محافظة وموغلة في الجمود والتعصب، إلى نفي عقلية العقل، والأخذ بالنقل في تعارضهما إن كان النقلي قطعيا والعقلي ظنيا. لا لعقلية القطعي وإنما لقطعيته فقط. فعلة الأخذ القطعية لا عقلانية العقل ـ وما أدراك عظمة عقلانية العقل حين تتجه نحو العلم والسبر الكون؟ ـ ويأخذ بالعقلي القطعي لا لعقلانيته، وإنما لقطعيته فقط. وقد يكون العقل فاسدا! ولما ركز الرحمن سبحانه في كتابه الكريم على العقل والتعقل؟ ولما دعاه للتفكر في الكون وما بث فيه من قوانين وسنن وقواعد؟ أليس العقل أداة الوصول إلى الله تعالى؟ 

وهنا؛ كأن تخوض في مسألة علمية محضة غيبية لا يعلم بعمق حقيقتها إلا الله سبحانه، ولا يمكن لنبي بعظمة عقلية محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول بها. وقد قال ربك العالمين: (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت)[19] دعوة للعقل للنظر العقلي والعلمي والبحثي والتساؤلي في خلق الإبل، لكشف ما فيها من أسرار الخلق وقوانين الوراثة والتخلق والولادة، ببعدي البيولوجي والفسيولوجي. وقد ربطها رب العالمين مع قوانين أخرى في الكون تتكامل للبرهان على وجوده وألوهيته ووحدانيته بقوله جل وعلا: (أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ * فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِر)[20]. وليس النظر فقط إلى فوائدها الظاهرة من حمل أمتعة الناس الثقيلة ، وأكل  لحومها، وشرب لبانها، وقد بعرها، واستعمال جلودها، وباقي منافعها العظيمة كما عددها شيوخ الدين. وفي التركيز على المنافع الظاهرة في تفسير الشيوخ والأئمة للإبل لمحة رمزية لنفي دعوة العقل إلى النظر في خلق الإبل، بما يفيد تغييب العقل عن النظر. وأما ما عددوه من منافع ظاهرة فتحصيل حاصل يلمس بالحواس. لا نظر عقلي فيها ظاهريا إلا من حيث شكل الإبل وهيكلها الذي يتحمل الأثقال، والذي يمكن تقليده في الصناعات بعد دراسته علميا وهندسيا وفزيائيا، وصلابتها في الصحراء.

كيف لرسول عظيم كرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: أن الإبل خلقت من الشياطين؟ فكيف له أن يتعامل مع الإبل وأصلها من الشياطين؟ والشياطين هم متمردة الجن حسب "ابن الباز"!؟ وكيف له عليه وآله السلام يتخذ الناقة" القصواء" رفيقة درب هجرته، وقيل أن له ناقة أخرى هي " العضباء". وقيل هما معا نفس الناقة على اختلاف القول؟ وكيف لرب العالمين تعالى علوا كبيرا أن يعضد نبوة صالح بآية الناقة وهي من الشيطان؟ فأسئلة العقل هنا تدور في عقل العقل. ويأتي من يترك منطق العقل ومنطق النظر في خلق الإبل، لصالح رواية ليست قطعية لأنها من خبر الآحاد. فقد أورد ابن ماجة في سننه: (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا هشيم ، عن يونس، عن الحسن عن عبد اللَّهِ بن معمل المربي قال : قَل النبي : صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل، فإنها خلقت من الشياطين)[21]. وأدرج في سنن أبي داود: (حدثنا عُثْمَانُ بنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، ثنا الْأَعْمَشُ، عن عَبْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ اللهِ الرَّازِي، عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِب قال: «سُئِلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن الصَّلاةِ في مَبَارِكِ الإِبل، فقال: "لا تُصَلُّوا في مَبَارِكِ الإِبِلِ فَإِنَّهَا مِنَ الشَّيَاطِينِ"، وَسُئِلَ عن الصَّلاةِ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، فقال "صَلُّوا فِيهَا فَإِنَّهَا بَرَكَةً")[22]. ألا تتناقض هذه الروايات مع دعوة القرآن الكريم إلى إعمال العقل في الإبل، ومع منطق العقل، أيمكن أن تكون تلك حقيقة موثوقة بها؟ وهي تناقض مبادي ونظريات علم الوراثة، وقوانين الخلق وأطواره؟ ألم تغلق هذه الروايات حقيقة النظر العلمي والتأملي الفلسفي في خلق الإبل بزعم خلقها من الشياطين؟ أليست دعوة صريحة لغلق باب العقل في الفكر الإسلامي؟ ... أسئلة لابد من طرحها بالضرورة العلمية والمنطقية والعقلية والشرعية، فهي ليست لدحض مطلق السنة، ولكن لدحض المدسوس فيها من الإسرائيليات وغيرها.

فهذه العقلية هي التي تجري الماضي على الحاضر رغم متغيراته، فالفكر الإسلامي حين جعل في تابوت النص فهما وقراءة وأحكاما وتأويلا، أعلن موته سلفا قبل أن يبلغ الرشد؛ حين قرروا قرارهم الكارثي بغلق باب الاجتهاد، فكان التوقيع على نهاية عصر كان من باب الإمكان أن يكون عصر العقل في الفكر الإسلامي وحضارته. قد نسفوا العقل حين هم بالخروج من شرنقة التقليد، وحين كانت الأسئلة وعلاماتها الاستفهامية تتناسل في رؤوس المفكرين، جاؤوا بالمطارق الفقهية لتطفأ نور العقل، وتجمد الزمن، بمقولتهم الشهيرة "لقد قال السابقون كل ما يمكن قوله". وما ذلك إلا تحويل الدين من مشروع حياة إلى أرشيف محفوظ! من نص حي إلى موت سريري؛ يسعفونه بالتدوير، ليحاور الواقع بمقولات وأحكام الماضي. فتكرس الاستبداد الفكري والثقافي داعيا أن العقل خلق للطاعة والخضوع لا للإبداع والخلق والابتكار! وكأن الأقدمون أحاطوا علما ومعرفة بحاجات المستقبل. فالواجب علينا تكرار ذواتهم في ذواتنا، وأقوالهم في أقولهم، وأحكامهم في أحكامنا، ولا نسائلهم فيما أنتجوه من فكر وثقافة وفهوم. علينا الاتباع لا الابتكار والإبداع! فصار العقل في الفكر الإسلامي يناور على الهامش، أو يلعب خارج خط التماس، وإلا اتهم بالكفر، وإن سأل يقصى ويهمش، ويخون إن أبدع وابتكر. فيصير إلى التصوف، أو التمرد، أو الصمت أو الكبث أو الانتحار. ويصير النص الديني إلى طقوس تمارس بمنطق العادة والروتين، وكلمات يرددها اللسان عبادة وأجرا، لا مردود لها على الآخر المختلف أو المخالف. لذا؛ ألفنا ماجد الغرباوي يدعو إلى نقد القديم، ليزرع ما كان فيه من روح، ويحرره من التقليد آفة الفكر الإسلامي، ليحاور العقل النص الديني، ويستنشق أكسجين العصر، بتفاعله مع قضاياه ومشاكله وإشكالياته ووقائع وأحداث ومعطياته، وليتجاوز أسئلة الماضي الحاضر البليدة السخيفة والصبيانية الطفولية، كالتساؤل عن: هل يمكن للإنسي الزواج من الجني، وهل يحسب على الأربع؟ وما يرفض له مهرا؟ ... عقم عقلي وفكري.

فالتقليد هو ما حكم على مسار ومسير الفكر الإسلامي التاريخي بالجمود والسكون والثبات. وهو الذي عرض تصورا رسميا بحكم المأسسة للحقيقة الدينية، بتخصيص نفسها بمفاتيح الفهم والتأويل والتدوين، فأغلقت كل الأبواب في وجه العقل العربي، والمسلم، وختمها قفلا الإمام الغزالي حين أغلق باب الاجتهاد، فتوقف إنتاج المعرفة وصنع الفكر، واكتفى بإعادة التدوير، وإعادة إنتاج المنتوج من بضائع رمزية قديمة، وتبرير أحكامها الفقهية ومقولاتها الدينية. وصار الخلف على درب القائل في موروثنا الثقافي "ليس في الإمكان أحسن مما كان". لذا وجدنا المفكر ماجد الغرباوي يدعو إلى تحرير النص من سلطة التاريخ، وتحرير الإنسان من سلطة النص المغلق. وهو في مقاربته النقدية يتسم بشجاعة فكرية، وجرأة بالتصريح بالمطلوب، واستقلال معرفي، وجرأة على تفكيك الثابت. فالعقل النقدي عنده، لا يمكن أن ينمو في ظل إغلاق باب الاجتهاد، واعتماد التقليد، والتقليد قتل للإبداع الفكري، ومن قبل حاربه الإمام الشوكاني بقوة، وذكر عائده السلبي على الفكر الإسلامي. كما يحاربه ماجد الغرباوي، لأن التقليد عنده هو: (صفة أخرى ابتلى بها المسلمون ... الحاضر يقلد الماضي في كل شيء، فخبا الإبداع، وقمعت القابليات. والتقليد وليد شرعي لثقافة التقديس ... تقديس الماضي، وتقديس السلف، فما زلنا بعد ألف وخمسمئة سنة نقلد السلف الصالح، ونستفتيهم بشؤوننا وحاجاتنا، وكأن الواقع لم يتغير)[23]. لذا؛ فمشروعه يدعو صراحة إلى استرجاع الذات المفكرة والعارفة من تبعية النص الديني، إلى شراكة تأويل وترخنة النص، وفهمه ضمن الآفاق الإنسانية الرحبة.

وأما عائد هذا المشروع الفكري النقدي، يتمثل في:

ـ إعادة صياغة مفهوم الدين عبر نقد النصوص الدينية، بما يعيد شكليه من جديد، بنقله من دائرة ممارسة الطقوس والتقاليد الدينية والجمود الفكري إلى تشييد منظومة دينية أخلاقية تحقق وجودية الإنسان، وعدالته، وحريته، واستقلاله، وتحرير إرادته. فيتحمل مسؤوليته تجاه أفعاله، سواء ربطته بالخالق أو بالمخلوق.

ـ فك الاشتباك بين الدين والديني حتى يمكن نقد الديني بكل حرية واستقلالية. والخروج به من أمراضه المعضلة لينتج معمارا فكريا إسلاميا يتماشى مع العصر وواقعه. 

ـ زحزحة مركزية السلطة من النص إلى الإنسان، ومن المؤسسة إلى العقل، ومن السكون إلى الفعل، لكي ليتحرر الإنسان من سلطة النص الديني، ومن الاستبدادين الديني والسياسي معا. والخروج من احتكارية المؤسسة الدينية بفهم وتأويل الدين، إلى حرية العقل في الفهم والتأويل، لربط الدين بالواقع ومتغيراته. وبذلك يتحرك الدين نحو الفعل لا الجمود.

ـ تقديم أدوات جديدة لتحرير الدين من التوظيف السياسي، بمعنى فك الارتباط بين الفقيه والسياسي، أو بين الاستبداد الديني والاستبداد السياسي، ما يؤدي إلى نهضة العقل والقراءة والتأويل بروح علمية وعقلانية جديدة للتجديد.

ـ تحرير الفكر الديني الإسلامي من العنف الرمزي الذي مارسته التأويلات الأحادية على مدى قرون. الذي قهر عباد الله، كقهر المرأة، واستدامة الاستبداد السياسي بمنطق طاعة ولي الأمر وحرمة الخروج عنه ... والتشكيك في بعض الممارسات التقليدية التي أنتجت الاختلالات الاجتماعية، وقيدت الفكر والإبداع، والتقدم ...

ـ تفكيك الأسطرة والتقديس الدينيين سرطان النصوص الدينية التراثية، بما يرجع للبعد الإنساني اعتباره وحضوره في التجربة الدينية، بمنأى عن التسلط، ومصادرة حريته وإرادته، والخوف، ومنطق العقاب، والطاعة العمياء بمعنى الاستبدادي الديني. وبالجملة تفكيكه منظومة السلطة الدينية المفاهيمية.

            ولن ينجح مشروعه النقدي إلا من خلال توفير بعض المطالب والشروط منها مثالا لا حصرا:

ـ حرية الفكر الديني واستقلاله، جرأة النقد، وقول ما يجب أن يقال، والخروج عن حدود التفسير التقليدي وخطوطه الحمراء التي رسمها للناس كمشيخة ومؤسسة دينية.

ـ توعية الإنسان العربي، المسلم بحقيقة الدين، وحقيقة الديني، واسترجاع الدين من الديني، بما يبني تنويرا فكريا دينيا يستعيد مركزية الإنسان، وتحقيق التوازن الروحي والمادي، لينسجم مع عصره ووقته.

ـ التزام المنهج العلمي الدقيق والموضوعي في مقاربة النص الديني وفكره نقديا، لينتج إقناعا يعتمد الدليل العقلي والتجريبي والواقعي، لا بالعاطفة والترغيب والترهيب الديني والسياسي.

ـ انفتاح الفكر الديني على الحوار الفكري مع الذات المتنوعة المتعددة، والآخر المختلف، والمخالف، بمنطوق النظير الإنساني، لكي ننتج فهما جديدا للدين، خاصة في ظل العولمة التي هشمت الحدود الجغرافية والفكرية والدينية والاجتماعية والسياسية والثقافية والإيديولوجية ... ولكي يفهمنا الآخر دون رهاب ديني أو فكري.

            وبالجملة؛ مشروع المفكر ماجد الغرباوي النقدي صدى صوت مكلوم من أعماق الجرح الفكري العربي، الإسلامي، يقاوم النسيان في دهاليز الماضي، يسعى إلى تحرير الإنسان من وصاية الماضي والتحرر من كوابحه، ومن اغتراب العقل في متاهات المأسطر والمقدس الزائفين، ومن سجن الاستبدادين الديني والسياسي، ومن قيود التقليد بحرية الاجتهاد، ومن احتكار الديني للدين. لكي يفهم الدين بحرية الوعي لا بطغيان العباد على العباد باسم السلطة الدينية والسياسية، وتقديس الرموز الدينية ... فهو لا يقدم مجرد مقاربة نقدية لتأويل النص الديني فحسب، وإنما يقدم مشروعا كاملا متكاملا نقديا، ووجوديا للإنسان العربي، المسلم، وفكره الديني مصحوبا بتجديد حياته العلمية بمنطق العصر والواقع. 

المراجع

ـ د. محمد بن محمد ابو شهبة، الاسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير، مكتبة السنة، القاهرة، مصر،1408، ط4.

ـ د. رمزي نعناعة، الإسرائيليات وأثرها في كتب التفسير، دار القلم/دار الضياء، دمشق/بيروت، سوريا/لبنان، 1390/1970، ط1.

ـ د. عبد السلام الخراز، السمات الأسطورية في بعض تفاسير القرآن الكريم؛ تفسير الخازن لسورة البقرة نموذجا، عالم الكتب الحديثة، إربد، الأردن، 2016.

ـ محمد ناصر الدين الألباني، سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيء في الأمة، مكتبة المعارف، الرياض، السعودية، 1412/1992، ط1، ج.:1.

ـ ذ. ماجد الغرباوي، النص وسؤال الحقيقة نقد مرجعيات التفكير الديني، دار أمل الجديدة/مؤسسة المثقف العربي، دمشق/سيدني، سورية/استراليا، 2018، ط1.

ـ "      "، مقتضيات الحكمة في التشريع، متاهات الحقيقة9، أمل الجديدة/مؤسسة المثقف العربي، دمشق/سيدني، سورية/استراليا، 2012، ط1.

ـ "    " ، تحرير الوعي الديني، متاهات الحقيقة5، أمل الجديدة/مؤسسة المثقف العربي، دمشق/سيدني، سورية/استراليا، 2012، ط1.

ـ "     "، إخفاقات الوعي الديني، العارف للمطبوعات/مؤسسة المثقف العربي، بيروت/سيدني، لبنان/أستراليا، 2016، ط1.

ـ عبد الهادي عبد الرحمن، سلطة النص في توظيف النص الديني، سينا للنشر/الانتشار العربي، لندن/بيروت/ القاهرة، بريطانيا/ لبنان/مصر، 1998، ط1.

ـ ابن ماجة، السنن، دار الصديق/مؤسسة الريان، الجبيل/ بيروت، السعودية/لبنان، 1431/2010، ط1.

ـ أبو داود، سنن أبي داود؛ تح.: محمد عبد العزيز الخالدي، حديث:493، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان،1416/1996، ج.:1.

 



[1] د. محمد بن محمد ابو شهبة، الاسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير، مكتبة السنة، القاهرة، مصر،1408، ط4، ص.:14.

* للتوضيح.

[2]  د. رمزي نعناعة، الإسرائيليات وأثرها في كتب التفسير، دار القلم/دار الضياء، دمشق/بيروت، سوريا/لبنان، 1390/1970، ط1، ص.:223.

[3] د. عبد السلام الخراز، السمات الأسطورية في بعض تفاسير القرآن الكريم؛ تفسير الخازن لسورة البقرة نموذجا، عالم الكتب الحديثة، إربد، الأردن، 2016، ص.:37.

[4] محمد ناصر الدين الألباني، سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيء في الأمة، مكتبة المعارف، الرياض، السعودية، 1412/1992، ط1، ج.:1، ص.:462، الحديث رقم:294.

[5]  ذ. ماجد الغرباوي، النص وسؤال الحقيقة نقد مرجعيات التفكير الديني، دار أمل الجديدة/مؤسسة المثقف العربي، دمشق/سيدني، سورية/استراليا، 2018، ط1،  ص.: 9.

[6]  ذ. ماجد الغرباوي، النص وسؤال الحقيقة نقد مرجعيات التفكير الديني، مرجع سابق،  صص.:77 ـ 78.

[7]  ذ. ماجد الغرباوي، مقتضيات الحكمة في التشريع، متاهات الحقيقة9، أمل الجديدة/مؤسسة المثقف العربي، دمشق/سيدني، سورية/استراليا، 2012، ط1، صص.:301 ـ 302.

[8]  ذ. ماجد الغرباوي، النص وسؤال الحقيقة نقد مرجعيات التفكير الديني، مرجع سابق، ص.:175.

[9]  ذ. ماجد الغرباوي، تحرير الوعي الديني، متاهات الحقيقة5، أمل الجديدة/مؤسسة المثقف العربي، دمشق/سيدني، سورية/استراليا، 2012، ط1، ص.:291.

[10]  ذ. ماجد الغرباوي، مقتضيات الحكمة في التشريع، متاهات الحقيقة9، مرجع سابق، ص.:88.

[11] نفسه، ص.:145.

[12]  عبد الهادي عبد الرحمن، سلطة النص في توظيف النص الديني، سينا للنشر/الانتشار العربي، لندن/بيروت/ القاهرة، بريطانيا/ لبنان/مصر، 1998، ط1، ص.:147.

[13]  ذ. ماجد الغرباوي، النص وسؤال الحقيقة نقد مرجعيات التفكير الديني، مرجع سابق، ص.:124.

* من خارج النص.

[14]  ذ. ماجد الغرباوي، النص وسؤال الحقيقة نقد مرجعيات التفكير الديني، مرجع سابق، ص.:9.

[15]  ذ. ماجد الغرباوي، مقتضيات الحكمة في التشريع، متاهات الحقيقة9، مرجع سابق، ص.:105.

[16]  نفسه، ص.:151.

[17]  ذ. ماجد الغرباوي، مقتضيات الحكمة في التشريع، متاهات الحقيقة9، مرجع سابق، ص.:389.

[18] نفسه، ص.:345.

[19] سورة الغاشية، الآية:17.

[20] نفسه، الآيات:17 ـ 22.

[21] السنن لابن ماجة، حديث: 769، دار الصديق/مؤسسة الريان، الجبيل/ بيروت، السعودية/لبنان، 1431/2010، ط1، صص.: 158 ـ 159.

[22] أبو داود، سنن أبي داود؛ تح.: محمد عبد العزيز الخالدي، حديث:493، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان،1416/1996، ج.:1، ص.:173.  

[23] ماجد الغرباوي، إخفاقات الوعي الديني، العارف للمطبوعات/مؤسسة المثقف العربي، بيروت/سيدني، لبنان/أستراليا، 2016، ط1، ص.:49.

بخة عطر على معطفي

  بخة عطر على معطفي عبد العزيز قريش الإهداء (إلى من تسكن عطري، وتترك في أنفاسي خريطة الوطن، وفي قلبي شرفات الرجاء ...) حبيبتي؛ أعش...