معطف
مطر
عبد العزيز قريش
للذي ... للتي ... سهد
... سهدت ... على رصيف الأحلام الأيام
وما هدأ الحنين
يا
حبيبي ... يا حبيبتي؛
ثمة لحظات في
عمر الإنسان لا يكتب فيها، بل يُكتَب؛ كأن الكلمات تستعيره ليكون هو الحبر والمداد،
والبياض هو الذي يقرأه. هذا النص الذي بين يديه، ليس قصة ولا خاطرة كما اعتاد
التصنيف الأدبي قوله، بل هي محاولة بحث عن الذات في مرايا الآخر، في ظلاله، في
ملامح أنثى قد تكون امرأة، وقد تكون فكرة، وقد تكون كلاهما معا حين يكون وحده. نص يشبه
الغياب حين يهطل كمطر لا يبلل إلا الداخل، ويترك في القلب ارتعاشة من عبق مر عبره
ولم يقبض عليه.
يا حبيبي
... يا حبيبتي؛
اخترت
الغموض لا تهربا من الوضوح، بل لأني أؤمن قطعا أن الوضوح الكامل في الكتابة موت
للمعنى، بينما الغموض الموجه دعوة إلى أن يسكن القارئ النص كما يسكن الحلم أو
الذكرى أو الحنين. فكل كلمة هنا تتقصدك أنت، وتعنيك أنت، وتستدعيك
لتسأل: من أنا؟ من أكون؟ ما وجودي؟ ما مصيري؟ من أنا من الآخر؟ أنا أنا أم نظير
أنا؟ ومن هذه التي عبرتني؟ أين بدأت الحكاية؟ أين النهاية؟ وأين كان علي أن أصمت؟
ستجد في هذا
النص أنثى تمشي تحت مظلة المطر، وأستاذا يحمل معطفا أثقلته المدن بكل أزقتها
وأحداثها وناسها وعسسها وحراسها وسادتها وسدنتها، وأرصفة تشهد اللقاءات التي لم
تحدث ... لكن الأهم، أنك ربما تجد نفسك ـ كما لم تعرفها من قبل ـ في ظل صورة، أو
ظل ظل، أو لمسة مرت ذات وجع، أو نظرة بائسة لكنها متفحصة، قارئة في فنجان الوجود
والهموم ما يسائل الإنسان عن الوجود: ما الوجود؟ هل أنت موجود؟ ...
يا
حبيبي ... يا حبيبتي ...
اقرأها بقلبك، لا
بعينيك فقط.
ودع الغياب يقول ما
عجز الحضور عن قوله.
فربما، في نهاية
الرحلة،
تكتشف أنك لم تكن
تقرأني،
بل كنت تكتب نفسك ...
ذاتك،
تصنع وعيك، تشيد
وجودك،
على أنقاض حروفي،
في غيابي.
يا حبيبي
... يا حبيبتي ...
إليك أكتب،
أيها العابر في مدن الحرف والصمت ... قد لا تجد في هذه الصفحة ما تبحث عنه، لكنك
قد تجد نفسك، من حيث لم تدر أنك ضيعتها في وجود، في غياب، في أحداث، في أفكار، في
نسيان، في تيه أو سراب ...
فلا تعد
هذه الورقة أجوبة، بل إنصات عميق للأسئلة حين تتنكر في هيئة امرأة، أو ظل أنثى، أو
صورة تتبخر مع أول قطرة مطر.
فمرحبا بك ... في أرض
الغياب.
ومرحبا بك ... في وجهك
حين تتأملك الحروف بمعطف مطر؛
لم يكن له
مساء عاديا، وهو الأستاذ حامل أحلامه في مخيلة أيام، وشطحات أقلام، وخرابيش أوراق
حين التقاها أول مرة، حيث كان المطر يتساقط خفيفا، يوشوش على الأرصفة كأنه يخبرها
بسر عنه، وهي الأنثى الجميلة الرائعة تمشي تحت مظلتها الرمادية كما رسمتها
الأحلام. فستانها يحمل عطرا لا يشبه إلا عطر الأزهار حين تقرر الرحيل إلى جسد
أنثى، ترى الحبيب في المنام يعانق خمائل روحها وشغاف فؤادها. تجري وراء جماله
لعلها تظفر بقبس من عشقه في كفها أو بقبلة على خدها ...
كان معطفه
القديم يحمل آثار مدن عتيقة كثيرة، وأخرى حديثة من طراز معمار الاستعمار؛ بل قل:
بقايا استعمار ذكرى تخلف وبئس إنسان. مدن أقام فيها عابرا باحثا عن ظل امرأة تسكن
ملامحه قبل الولادة ببضع أعوام، حين رسم القدر خطواتها فوق خطوات ريشته على صفحات
سراب الحياة. أنثى يعرفها قبل أن يراها حين سكن ثنايا اللاوجود أو قل: الغياب
الأول، ولم يدر اسمها وإن سماها قبل غيابه الثاني امرأة كانت تائهة في عينيه، سقطت
من ذكرياته كما تسقط حبات المطر على كتف مهاجر لا وطن له إلا الحنين.
نظر إليها
طويلا بعينين هادئتين غارقتين في قراءة تفاصيل شكلها، لعلها هي التي رآها تمد يدها
إليه في هذيان نومه، وهو كأنما يلملم شتات الصور التي تناثرت بقايا ذكريات على
رصيف عمره، وهي كانت هناك… في مكان ما من ذاكرته أو في ركن من أركان أحلام شبابه،
حين رقد شعرها ذات مساء على أطراف أنامله وهمست في حلم:
"أنا حبيبتك التي لم
تغادر محطات شفتيك،
أنا قبلتك التي لم تجف،
أنا وجودك بين ذراعي … حتى وإن نسيت."
تقدم
الأستاذ نحوها بتردد حاملا باقة ورد من بساتين العشاق ورصف حروف الشعراء؛ لكن
خطواته كانت تسبقها ظلال قصائد لم يكتبها بعد. وإن كان ولهانا منذ زمان وأيام
وأعوام، منغمسا في روحها وهي لم تبدع بعد. ابتسمت له كأنها تعرفه وهي لا تعرفه إلا
إنسانا يعيش على عتبات النسيان، لم تقل شيئا، لكنه سمعها ـ في داخله وأعماقه
العميقة المظلمة ـ تقول كل شيء ما عدا اسمها. في صوتها دفء الرحيل وحنين البقاء،
وفي عينيها طيف يسافر به بعيدا عن كل المدن واللغات ولهجات اللسان، يحكي له بصمت
وبكل المعاجم مدارج الخيال، في العشق والذوبان في الروح والجسد حد الامتلاء
والابتلاء. أجنحة تعلو فوق أجنحة العصافير، تسقي الحياة بندى العطر ورداد أمواج
الهيجان والطوفان.
لم يلمسها
وإن عشقها وهو يهفو إليها حبيبة أحلامه وأوهامه؛ لكن أطرافه كانت ترتجف كأنها شعرت
بشعرها يداعب أصابعه من جديد دون وسادة صدر ولا ضمة حنان، ولا لثمة بعد عناق! لم
يتحدث قط إلا من أعماقه يتسرب إلى الخارج نفس بارد يمزق نظراتها وعبراته التي لم
تسقط بعد، فهو يعرف أن الحديث معها لا يكون بالكلام، بل بما تتركه من خفق في
القلب، ومن غصة في الحنين.
عادت
خطواتها تغيب في الضباب سرابا وهباء، لكن الأستاذ المثقل بالأحزان لم يذهب لأنه
يعلم أن الدرب طويل غير معبد إلا بالحصى والأشواك والورود الذابلة، باهتة اللون
والأيام، حيث وقف تحت المطر مشدوها حيرانا، ومعطفه فوق كتفه صار خفيفا كأنه لم
يكن، كأنها حين مرت به، خلفت فيه وطنا دافئا لا يحتاج إلا لذكرى واحدة كي يشتعل.
ومنذ مساء الغياب ذاك، صار كل المزن الذي يهطل على المدينة يحمل رائحتها، نسيما
خفيفا من مساحيق زينتها منعشا، وحقيبة يد تعلو كل الرياح والسحاب الممطرة، وكل
أسماء الكون غير اسمها ... ها أنا الأستاذ الفنان الرسام بكل الألوان والحروف
والجمل والأبيات؛ الآن، بعد كل تلك السنين، أجلس وحيدا على المقعد الخشبي نفسه،
الذي رسمت خيالات ملامح وجودها على أوراق مفكرتي الحزينة، قرب المقهى الذي لا تزال
ستائره الباهتة شاهدة على مساء لقاء فراقنا، الشارع نفسه لم يتغير كثيرا منذ هجرته
للمرة الأخيرة. ربما فقط أنا من كبرت أو هرمت … أو نضجت الذكرى في داخلي حتى صارت
أكبر من عمري.
المطر يهطل
كما كان، والسيل يجري على الاسفلت كما جرى البارحة؛ هادئة كل الأحداث والذكريات
والمشاهد والصور، وحتى الصدى … كأنه يعود معي إلى تلك اللحظة، ليهمس لي بصمت تحت
شرفة منزلها الذي لم تسكنه البتة:
"ألم تقل إنها تائهة في
عينيك؟ كيف ضاعت إذن؟"
ابتسم
الأستاذ الذي لم يكن قط أستاذا وإنما صدى كاتب مجهول، نكرة في عالم تصفيف الحروف.
أربت على جيب المعطف القديم الذي لم يعد يلبسه، وتحسس آخر الرسائل الصغيرة التي لم
يرسلها إليها أبدا، لكن هي التي كتبتها له بنظرتها في ذلك المساء: "أنا لم
أغب، أنت فقط نسيت أن تبحث في قلبك قبل ذاكرتك."
أغلق عيني قليلا،
فيمر طيفها مجددا
...
يمشي بهدوء فوق أرصفة
كل الطرقات،
تتبعها خطوات من عطر،
ويبللني حنين لا يجف.
ربما لم تكن حلما،
وربما كانت كل الحقيقة
...
ولكنني، إلى الآن،
كلما هطل المطر،
أعود لأبحث عنها
بين قطراته،
كما يبحث المسافر عن
وطنه في وجه امرأة مرت
ولم تعد إلى الأبد.
فما؛ تكون يا ترى
الأنوثة حين يجف المطر، وتنسحب الأحلام وحتى الأوهام؟ وحين تغادر المعاني الكلمات،
والنغمات الأوتار؟ ويتبلل المعطف بسراب الصيف؟ ... أهي الدنيا كانت في الصدى أم هي
الأنوثة حين لوحت براحتها أني ما عدت أنثى؟ ...
قل ... قولي ... لي
أني على رصيف أحلام الأيام أكتب الرسائل بلا عنوان ... وأمحو ما كان من الزمان
والمكان ... وأبقى وحيدا بين السطور والخطوط والفواصل ذكرى إنسان
...